إن العمل إذا نسخ بطل ووجبت إعادته على منهاجه المستأنف دون ما مضى، فإن هذا مما كان يجوز أن يشرع ثم كأن يكون، فنزل الله عز وجل: {أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ} محمولاً على العمل إذا أسلم.
وتكون إحدى شرائطه سلامته، أن لا يلحقه نسخ ولا تبديل.
وإذا كان هذا جائزاً ومتوهماً مظنوناً، لم ينكر أن يصير سبباً للسؤال عن الصلوات المقدمة، فجابوا عنها بما أجيبوا به، ولم يجز أن يتسرع إلى إنكار رواية لا تعدلها في الشهرة والاستقاصة رواية، وما خلا منها كتاب مفسر ولا أحد تكلم في معاني القرآن، والله أعلم.
قال الرجل: تأويل الآية عندنا خرج على وجهين:
أحدهما: أن تكون الصلاة مضمرة عند الإيمان كأنه قال: وما كان الله ليضيع إيمانكم بالصلاة إلى بيت المقدس، وإنما سألوا عن الصلاة نفسها.
فدل ذلك على أنها في الإيمان المذكور في الآية.
ألا ترى أنه لما نزل تحريم الخمر لم يسألوا عن إيمان من شربها مستحلاً لها، وإنما سألوا عن الشرب نفسه.
ويقال له: إن كانت الصلاة سميت إيماناً لأنه سببها، فهو سبب كل طاعة فليسم إيماناً، وهذا مما ذكرنا من نقصه في بعض الأوقات على نفسه.
قال الرجل: احتجوا بقول الله عز وجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} قيل لهم: لا يصح هذا التأويل، لأنه يوجب وصف الدين بالنقصان، ولا يجوز أن يقال إن الدين غير كامل في وقت من الأوقات.
لأنه يوجب أن يكون جميع من مات من المهاجرين والأنصار والذين شهدوا بدراً وبايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - البيعتين جميعاً، وبذلوا أنفسهم لله مع عظيم ما حل بهم من أنواع المحن.
على دين ناقص، وكذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - في ذلك، وكان يدعو الناس إلى دين ناقص.
ومعلوم أن النقص عيب دين الله فيتم.
كما قال: {دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} .
ولو كانت الآية على ما توهموا من أن الدين كان غير كامل لقوله عز وجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} لوجب أن يكون قوله: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً} يدل على أنه كان لا يرضى به بعد ذلك.