وأما الكفار غير أهل الكتاب، فإن الجزية لا تقبل منهم، لأن قبولها من أهل الكتاب إنما كان لاستثنائهم رجاء أن يضمنوا شروط دين الحق إلى القليل من أصل الدين الذين هم متمسكون به.
وأن يجذفوا عن ذلك الأصل ما ضمنوه إليه مما هو غير لائق به.
فمن تجرد عن الديانة أصلاً وتمسك بما لم يكن ديناً لله تعالى قط، ولم يبعث به رسولاً، ولا أنزل به كتاباً، ولا رضي من أحد به ديناً، فلا معنى أن يترك نفسه عليه وهي مخلوقة للعبادة لا لغيرها وهو حابسها عن نفسه.
فإنا نعلم أن من كان له مملوك قد اشتراه، فامتنع من خدمته أصلاً من غير عدة، كان له أن يؤذيه ويضر به لا أن يمهله وينظره، فإذا كان جنس المملوك المشترى للخدمة، خدمته توجب عليه أن لا يخل والتنعم بنفسه لكن يضرب ويؤذى ويؤدب.
فحبس المملوك المخلوق للخدمة عن الخالق خدمته، أولى أن توجب عليه أن لا يخلى والتنعم بنفسه والله أعلم.
فإن استأمن على أن يدخل دار الإسلام لحاجة يبلغها في مدة قريبة جاز، لأن ذلك انتظار، وليس بتخيله، وقد يرجى أن يستبصر في هذه المدة، وينفعه الاختلاط بالمسلمين، والسماع بينهم، فكذلك أجبت.
فأما قبول الجزية فإنه تخلية، لأن ذلك يتأبد ولا يتأقت، والتخلية غير لائقة بحاله.
وإن استرق عزل، لأن نفسه صارت مأخوذة عنه بالاسترقاق، وصار الحق فيها استرقاقه.
فإن كان تعطله عن الدين يوجب أن لا يخل والتنعم بنفسه فهو إذا استرق، فلم تخل له نفسه، لأنه إذا أراد أن يقعد قيم، وإذا أراد أن ينام أن يلبث سير.
وإذا أراد أن يسير فلم تخل له نفسه لأنه إذا أراد أن يقعد قيم، وإذا أراد أن ينام أزعج، وإذا أراد أن يلبث سير، وإذا أراد أن يسير لبث.
ولا يأكل إلا إذا أطعم.
وتحقيق ما قلنا أنه لا يمكنه استيفاء نفسه إلا بالمال والرق، يحول بينه وبين ملك المال، فقد حال إذا بينه وبين استبقاء نفسه، فظهر بذلك أنه زائل السلطان عن نفسه والله أعلم.
وإذا عرض للمسلمين ما يحول بينهم وبين الجهاد، فرأى الإمام أن يهادن المشركين، فإن كانت بالمسلمين قوة، إلا أنهم اشتغلوا ببعض أمورهم عن الجهاد لم يكن للإمام أن يهادن أحداً من المشركين.
فإن كانت بالمسلمين أكثر من أربعة سنين، لأن النبي - صلى الله عليه وسلّم - كان هادنهم أكثر من ذلك.
فلما قوي الإسلام رد الله تلك الهدنة إلى أربعة أشهر.