وفي أخذ الجزية عنهم معنى آخر وهو أن يكون سر غناهم المكان بين أولياء الله في أرضهم ودارهم إلا ببذل يعود منهم عليهم، لتكون منزلتهم بين الأولياء بأديانهم، منزلة الأجنبي من صاحب المنزل.
وفي هذا من الصغار ما لا يخفي.
ثم هو في البعث على الرجوع إلى الحق، وترك التمادي في الباطل نظير الوجه الذي تقدم ذكره.
وفي جملة ما كتبنا ما أبان أن قبولنا الجزية من أهل الكتاب لا يوهم أن قتالنا إياهم ليس على الدين ولكنه لأجل المال، وخصوصاً إذا كنا نشترط عليهم أن تكون أحكام الإسلام جارية عليهم، ولا يجاهدوا بكفرهم ولا أن يسمعوا المسلمين قولهم في عيسى بن مريم، ولا صوت الناقوس، ولا يفتنوا مسلماً عن دينه، ولا يسقوا صبياً من صبيان المسلمين ولا عبداً من عبيدهم خمراً يحتسونه بذلك.
ولا يحدثوا في أمصار المسلمين كنيسة، ولا يظهروا فيها حمل خمر، ولا ادخار خنزير.
ولا يحدثون بنا، يطولون به بناء المسلمين، ويقصروا الزنانير على أوساطهم ويفرقوا بين هيئاتهم وهيئات المسلمين في الملبس والمركب.
ولا يركبوا الخيل ويقتصروا على الحمير والبغال، وإن ركبوا البراذين فبالأكف دون السروج.
ولا يشبهوا على مسلم فيسقوه خمراً أو يطعموه خنزيراً.
وإن من ذكر منهم كتاب الله أو نبينا محمداً - صلى الله عليه وسلّم - ما لا نطلبه الإسلام، أو طعن في دين الإسلام، أو زنا بمسلمة أو أصابها باسم نكاح، أو غير مسلماً عن دينه، أو تعرض لأن يفتنه، أو قطع على مسلم طريقاً، أو أعان على أهل الحرب بدلالة على المسلمين أو آوى عتياً، فقد نقض عهده وأحل دمه وبرئت منه ذمة الله وذمة رسوله - صلى الله عليه وسلّم - .
فكيف يتوهم عاقل لأجل إقرارنا إياهم في دار الإسلام بالجزية مع هذه العهود الغليظة والمواثيق المحكمة، إن قتالنا إياهم على المال لا على الدين، وأن القتال لو كان لأجل المال لما رضينا بدينار من كل رأس في سنة، ولما شققنا عليهم بهذه الشروط، بل كنا نزيد في المال وننقص من الشروط.
ولكنا لا نسقط المال ونضعه عنهم إذا أسلموا، فلما كنا نزيل المطالبة بالمال عنهم إذا أسلموا، وإذا لم يسلموا فوضعنا المال عليهم، قللنا المال وخففنا، وأكثرنا الشروط وغلظنا.
فقد خففنا عند من يعقله، ويتصف بما لا يزيد بإيمانهم على الجزية إلا ما يزيد بنفس القتال من التسبب إلى أفعالهم في دين الحق.
وصرف قلوبهم عن الباطل الذي هم فيه وبالله التوفيق.