إذن: فلا توجد في اللغة ألفاظ تعبر عن نعيم الجنة ؛ لأن المعنى غير معروف لنا ، ولكن الله أراد أن يحببنا فيها فأعطانا صورة نفهمها عن النعيم ، فيقول عز وجل: {مَّثَلُ الجنة} وهو يريدنا أن نعرف أن فيها نعيماً خالياً من كل المنغصات التي تكون في المثل . فمثلاً الخمر في الدنيا فيها خصلتان ؛ الأولى أنها تغتال العقول والثانية: أنها لا تشرب بقصد اللذة ، والذي يشرب الخمر لا يشربها مثلما يشرب كوب عصير المانجو أو عصير الليمون الذي يستطعمه ويشربه على مهل ، ولكنه يسكب الكأس في فمه دفعة واحدة ؛ لأن طعمها غير مستساغ وليقلل زمن مرور الخمر على الحس الذائق ، ومعنى هذا أن طعمها غير مستطاب ، ثم إنها تذهب بوعي الشارب لها فيفقد السيطرة على سلوكه ، ويعتذر في الصباح عما فعل أثناء احتسائه للخمر ويقول خجلاً:"لم أدر موقع رأسي من موقع قدمي"هذه خمر الدنيا ، ولكن الخمر في الجنة لا غَوْل فيها .
.أي: لا تغتال العقول ، حلوة المذاق ، ولذلك يصفها الله سبحانه وتعالى بقوله: {لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} [محمد: 15] .
أي: أنها مختلفة تماماً عن تلك الخمر التي حرمها الله في الدنيا . وتتجلى الحكمة في معنى الاستطعام في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ثلاث من كُنَّ فيه وجد بهنَّ طعم الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، ومن أحب عبداً لا يحبه إلا لله ، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُلْقَى في النار".