ولم يكن في الحجاز حين نزلت هذه السورة إلا المشركون واليهود، وكان اليهود يتولَّون المشركين وينصرونهم على النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، ونقضوا العهود التي كانت بينه وبينهم، فقاتلهم حتى أجلاهم من خيبر، وفي هذا تعريض للمسلمين بأنهم لا يناصرون الكفار ولا يتولونهم {إِلَّا تَفْعَلُوهُ} ؛ أي: إن لم تفعلوا ما أمرتكم به من التواصل بين المسلمين، ومن قطع المحبة بينهم وبين الكفار .. {تَكُنْ فِتْنَةٌ} ؛ أي: تحصل فتنة {فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} ؛ أي: ومفسدة عظيمة، فإنَّ المسلمين لو اختلطوا بالكفار في زمان ضعف المسلمين وقلة عددهم، وزمان قوة الكفار وكثرة عددهم .. ربما صارت تلك المخالطة سببًا لالتحاق المسلم بالكفار، وإنَّ المسلمين لو كانوا متفرقين .. لم يظهر منهم جمع عظيم، فيصير ذلك سببًا لجراءة الكفار عليهم، وقال ابن عطية: والفتنة: المحنة بالحرب وما أنجز معها من الغارات والجلاء والأسر، والفساد الكبير: ظهور الشرك. وقال البغوي: الفتنة في الأرض: قوة الكفر، والفساد الكبير: ضعف الإسلام اهـ. وقرأ أبو موسى الحجازي عن الكسائي: {كثير} - بالثاء المثلثة - وروي أنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قرأ: {وفسادٌ عريض} وقال الزمخشري: أي: إنْ لا تفعلوا ما أمرتكم به من تواصل المسلمين وتولي بعضهم بعضًا حتى في التورث، تفضيلًا لنسبة الإِسلام على نسبة القرابة، ولم تقطعوا العلائق بينكم وبين الكفار، ولم تجعلوا قرباتهم كلا قرابة .. تحصل فتنة في الأرض، ومفسدة عظيمة؛ لأنَّ المسلمين ما لم يصيروا يدًا واحدةً على الشرك .. كان الشرك ظاهرًا والفساد زائدًا اهـ.
والخلاصة: إنْ لم تفعلوا ما شرع لكم من ولاية بعضكم لبعض، ومن تناصركم وتعاونكم تجاه ولاية الكفار بعضهم لبعض عليكم، ومن الوفاء بالعهود - والمواثيق مع الكفار إلى أن ينقضي عهدهم وينبذوه على سواءٍ .. يقع من الفتنة والفساد في الأرض ما فيه أعظم الضرر عليكم، بتخاذلكم الذي يفضي إلى فشلكم وظفر الأعداء بكم، واضطهادكم في دينكم بصدكم عنه، كما وقع ذلك بضعفائكم بمكة قبل الهجرة.