"إعجاز القرآن"1 - أعجب عشاق البيان بقوله تعالى"خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ"لما فيها من إعجاز وإيجاز ولما فيها من عذوبة جرس ، ووضوح بيان.
ولأنها ترمز ولا تشرح ، وتجمل ولا تفصل ، وللبلغاء في هذا الضرب من البلاغة مذاهب ، وقد أطلقوا عليه اسم"فن الإنسجام". ولندع هذا الفن ، ولننتزع فائدتنا من موضوع هذه الآية ، فقد كانت ولا تزال شغل أرباب الاجتهاد الشاغل إذ في قوله:
"خُذِ الْعَفْوَ"مبدأ من مبادئ التشريع في الإسلام ، وهو التيسير وعدم التعسير. وثمة إشارات كثيرة في هذا الصدد ، يتناولها ذوو الرأي والاجتهاد بالتحقيق والتمحيص.
وفي قوله تعالى:"وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ"إشارة صريحة إلى اعتبار العرف في الأحكام الشرعية ، واحترام العادة في التعامل ، ما لم يعارضهما نص صريح من القرآن أو الحديث.
وفي اعتبار العرف في الشرع ، والأخذ برفع الحرج عن المسلمين ، خلاف وتفصيل طويل بين أئمة الاجتهاد ، فمن شاء فعليه بكتب الفقه والأصول ، ففيهما ريّ وشفاء لذي الغلة الصادي.
وأما ما في الآية من الإنسجام فيدفعنا إلى استعراض هذه الأبيات لصفي الدين لما فيها من بالغ الإنسجام:
قالت: كحلت الجفون بالوسن قلت: ارتقابا لطيفك الحسن
قالت: تسلّيت بعد فرقتنا قلت: عن مسكني وعن سكني
قالت: تشاغلت عن محبتنا قلت بفرط البكاء والحزن
قالت: تخلّيت ، قلت: عن جلدي قالت: تغيّرت قلت في بدني
إلى أن قال:
انحلتني بالبعاد عنك فلو ترصدتني العيون لم ترني
وقيل ان بعض الأدباء اجتاز بدار الشريف الرضي ، وقد جار عليها الزمان ، وأذهب بجهتها ، وأخلق ديباجتها ، ولكن بقايا رسومها تشهد لها بالنضارة ، فوقف متعجبا من صروف الزمان متمثلا بهذه الأبيات:
ولقد وقفت على ربوعهم وطلولها بيد البلى نهب
فبكيت حتى ضحّ من لغب نضوي وعجّ بعذلي الركب