وإن هذه الهداية وتلك الرحمة لقوم من شأنهم الإيمان؛ ولذا قال تعالى: (لِّقَوْمٍ يُؤْمِنونَ) فوصفهم بالجملة التي يتصدرها الفعل المضارع للدلالة على إيمانهم المستمر، المتجدد آنًا بعد آنٍ على وجه الدوام.
وذلك لأن شأن المؤمن أن يتجدد إيمانه، فيقوى بالعمل المستمر والمتجدد، فإن العمل الصالح يجدد الإيمان، فلو كان العمل فهو للإيمان كالماء العذب الفرات يغذي الإيمان كما يغذي الماء الزرع.
قراءة القرآن عبادة، وجزء من أكبر عبادة
(وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(204)
بين الله - سبحانه وتعالى - في الآية السابقة أن الآية التي تحدى بها العرب أن يأتوا بمثلها هي بصائر مبينة للناس الحقائق الدينية، ومثبتة لصدقها، وهي هدى ورحمة، وهي القرآن، ولا يمكن أن ينتفع بها بعد إعجازها بأن ينتفع بهدايتها ورحمتها إلا إذا قاموا بحقها عند قراءتها بالاستماع إليها، والإنصات لها، وتدبر ما جاء فيها من تكليف هو رحمة للعالمين، ومواعظ، وعبر وقصص في ذكر
الأولين؛ ولذا قال تعالى بعد ذلك:
(وَإذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمعُوا لَهُ وَأَنصتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) .
القراءة للقرآن عبادة من القارئ؛ لأنه يتلو كلام الله تعالى، وأي منزلة في القربى إلى الله تعالى أعلى من أن يكون متحدثا بحديث الله فهو يتكلم بكلام خالق الوجود، وتجري على لسانه عباراته جل وعلا، ويرطب لسانه بأطيب كلام، فهو عبادة؛ ولذلك وجب أن يكون متطهرا من الجنابة ويحسن أن يكون على طهارة كاملة. إن قراءة القرآن سمو إلى المكان الأعلى والمقدس الأقدس لمن تدبر موقفه عند القراءة ومقامه.