أقول: ليس المراد القعود المؤقت، وإنما المراد اللبث والثَّواء وطول المُقام. فالفعل قعد متضمن (تربَّص أو ثوى أو تأرَّض) وهذه جميعا تتعدى بالباء فشعيب يتوجه بدعواه إلى أهل مدين: يا قوم اعبدوا اللَّه ما لكم من إله غيره. ثم ينهاهم عن ... وعن ... والتربص بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل اللَّه من آمن به. فالسياق يشير إلى تربصهم بكل صراط وقطعهم لكل طريق على المؤمنين، ويتوعدونهم فيصدونهم عن السبيل. نعم سبيل الحق واحدة ولكن المناهج المتشعبة عنها كثيرة فأهل مدين يُلثون بكل صراط، ويتربصون بكل طريق، بكل شعبة من شعابها، يتوعدون المؤمنين ويصدونهم عن صراط اللَّه القويم ويريدونها عوجاء. دعاهم إلى التريث والتعايش بغير أذى حتى يحكم الله، ولكن الطواغيت لا يرضيهم أن يكون للإيمان ممثل في جماعة مستقلة، لا تدين له بل تعلن الخروج عن سلطانه، ولذلك يفرض المعركة على سواه فرضا. فالباء على أصلها والتضمين أصاب من الدواة مدادها: القعود مع التأرُّض والإلثاث وطول المقام أما ما توهمه بعضهم من إفادة الباء معنى المصاحبة أو الظرفية أو الإلصاق أو الاستعلاء فاحفظ نفسك منه، ولا تسترسل إليه إذ لا دليل معه عليه.
إنه التضمين ... فاستفتح به ما استغلق عليك من دلالات هذه الأفعال.
(لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ(88)
ذكر العز: لتصيرنّ أو لتدخلنّ. قال الزركشي: ضمن تعودن معنى لتدخلنّ أو لتصيرنّ. وقال الزمخشري: العود يستدعي الرجوع إلى حال كان عليها قبل، ولكنه هنا بمعنى الصيرورة وهو كثير في كلام العرب كثرة فاشية تقول: (عاد لا يكلمني) والمعنى: أو لتصيرن كفارا مثلنا. وقال أبو حيان: وعاد لها استعمالان: أحدهما: أن تكون بمعنى صار، والثاني: بمعنى رجع إلى ما كان عليه. وقال الآلوسي: تعود بمعنى تصير كما أثبته بعض النحاة واللغوين وعلى ذلك قول الشاعر:
فإن لم تكن الأيام تحسن مرة ... إليَّ فقد عادت لهن ذنوب
فكأنهم قالوا: لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتصيرن مثلنا والجار والمجرور (في ملتنا) في موضع الحال ليكن منكم الخروج من قريتنا أو العودة إليها كائنين في ملتنا ولا يخفى بعده وعُدِّي العود بـ (في) إيماءً إلى أن الملة بمنزلة الوعاء المحيط بهم.