ومن مثل هذه الاقتراحات يتبين التعنت كما تتبين الجهالة.. وإلا فقد كان لهم من خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي يعرفونه جيداً بالخبرة الطويلة ؛ ما يدلهم على صدقة وأمانته وهم كانوا يلقبونه الأمين ، ويودعون لديه أماناتهم حتى وهم معه على أشد الخلاف ؛ وقد هاجر - صلى الله عليه وسلم - وترك ابن عمه علياً - رضي الله عنه - يرد إلى قريش ودائعهم التي كانت ما تزال عنده ؛ وهم معه على الخلاف الذي يدبرون معه قتله! وكذلك كان صدقه عندهم مستيقناً كأمانته ؛ فإنه لما دعاهم أول مرة دعوة جماعية جهرية على الصفا - حين أمره ربه بذلك - وسألهم: إن كانوا يصدقونه لو أنبأهم بنبأ ، أجابوه كلهم بأنه عندهم مصدق.
.فلو كانوا يريدون أن يعلموا صدقه لقد كان لهم في ماضيه برهان ، ولقد كانوا يعلمون: إنه لصادق.. وسيأتي في سياق السورة خبر الله الصادق لنبيه: أنهم لا يكذبونه {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون. فإنهم لا يكذبونك. ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} فهي الرغبة في الإنكار والإعراض ؛ وهو العناد والاستكبار عن الحق. وليس أنهم يشكون في صدقه صلى الله عليه وسلم !