وأما ورود ما أعقبت به كل آية من هذه من المأمور بالنظر فيه والاعتبار به بالفاء من حروف العطف سوى آية الأنعام فذلك بين لأنهم أمروا أن يعقبوا سيرهم بالتدبر والاعتبار وحصر نظرهم واعتبارهم فِي المعقب المذكور بعد الفاء ولم تقع إشارة إلى اعتبارهم بغير ذلك وأما آية الأنعام فإنها افتتحت بذكر خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور وإنما ذكر هذا من الخلق الأكبر ليعتبر بذلك فإنه أعظم معتبر وأوسعه قال تعالى:"لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس"فكأن الآية فِي قوة أن لو قيل: سيروا فِي الأرض فاعتبروا لخالقها، وكيف دحاها لكم وذللها لسكانكم، وجعل فيها رواسى أن تميد بكم وفجر فيها الأنهار إلى عجائب ما أودع فيها وكيف جعل السماء سقفا محفوظا بغير عماد وزينها بالنجوم لتهتدوا بها فِي الظلمات وجعل الشمس والقمر حسبانا وضياء وزينا للسماء الدنيا وكيف محا آية الليل لمصلحة العباد وجعل آية النهار مبصرة إلى ما لا يحصى من منافعها وعجائبها لمن منح الاعتبار قال تعالى:"إن فِي السماوات والأرض لآيات للمؤمنين"ثم انظروا عاقبة من كذب ونبه فلم يعتبر فعطف هذا بثم المقتضية مهلة الزمان حيث يراد ذلك.
وتفخيم الأمر وتفاوت المنظور وتجريد الأمر لكل من الضربين مما قبلها وما بعدها فليس موضع تعقيب بالفاء إذا لم يرد أن يكون سيرهم لمجرد الاعتبار بمن كذب فأخذ تذيبه فقط بل الضربين مما ذكرناه ومهدناه وفى كل آية منهما أشفى دلالة وقصد فِي الآى الأخر تذكيرهم واعتبارهم بأحد المكذبين وهو المعقب بالفاء فلما افترق القصدان عطف كل بما يناسب والله أعلم. انتهى انتهى. {ملاك التأويل صـ 143 - 146}