قال أبو حيَّان: ما ذكره الزَّجَّاجُ ، وأوضحه ابن عطيَّةَ صحيحٌ من حيث المعنى ، لكنَّ صَنَاعَةَ النحو لا تُسَاعِدُ عليه ؛ لأنهما زَعَمَا أن"في السماوات"متعلِّقٌ باسم الله ؛ لما تَضَمَّنَهُ من تلك المعاني ، ولو صَرَحَّ بتلك المعاني لم تَعْمَلْ فيه جَمِيعُهَا ، بل العَمَلُ من حيث اللفظُ لواحد منها ، وإن كان"في السماوات"متعلّقاً بجميعها من حيث المعنى ، بل الأولى أن يتعلَّق بلفظ"اللّه"لما تَضَمَّنَهُ من معنى الألُوهِيَّة ، وإن كان عَلَماً ؛ لأن العَلَمَ يَعْمَلُ في الظَّرْفِ لما يتضمنه من المعنى كقوله: [الزجر]
أنَا أبُو المِنْهَالِ بَعْضَ الأحْيَانْ
لأنَّ"بَعْضَ"نُصَبَ بالعَلَمِ ؛ لأنَّه في معنى أنا المشهور.
عَمَلُهَا على سبيل التَّنَازُع ، مع أنه لو سَكَتَ عن الجواب واضحاً.
ولما ذكر أبو حيَّان ما قاله الزَّمخْشَريُّ قال:"فانظر كيف قدّرَ العامِلَ فيها واحِداً لا جميعها".
يعني: أنَّهُ اسْتنْصَرَ به فيما ردَّ على الزَّجَّاج ، وابن عطية.
الوجه الثاني: أن"في السَّمَوَات"متعّلق بمحذوفِ هو صِفَةٌ لله تعالى حُذِفت لفهم المَعْنَة ، فقدَّرها بعضهم: وهو الله المعبود ، وبعضهم: وهو اللَّهُ المُدَبِّرُ ، وحذفُ الصِّفة قليلٌ جداً لم يَرِدْ منه إلاَّ مواضع يسيره على نَظَرٍ فيها ، فمنها {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ} [الأنعام: 66] أي: المعاندون ، {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46] أي: النَّاجين ، فلا ينبغي أن يُحْمَلَ هذا عليه.
الوجه الثالث: قال النَّحَّاس - وهو أحْسَنُ ما قيل فيه -: إنَّ الكلام تَمَّ عند قوله:"وَهُوَ اللِّهُ"والمَجْرُور متعلِّقٌ بمفعول"يَعْلَمُ"، وهو"سِرَّكم وجَهْرَكُم"أي: يَعْلَمُ سِرَّكُم ، وجَهْرَكُم فيهما.
وهذا ضعيفٌ جداً لما فيه من تَقْدِيمِ مَعْمُولِ المصجر عليه ، وقد عرف ما فيه.