والمرتبة العليا شكر هذه النعم والخضوع المطلق له سبحانه، والقيام بحق عبادته، وإفراده بالعبودية، وإن ذلك هو المطلوب من العباد، وهو أعلى الشكر، وقد قال سبحانه: (. . . لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ. . .) ، والشكر امتلاء القلب بذكر الله تعالى وذكر نعمه، وشكرها، وهو الذي طالب به القرآن الكريم كما قال تعالى: (. . . اذْكرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ. . .) ، و"أل"هنا للاستغراق، والمعنى أن المستحق لكل أنواع الحمد ومراتبها هو الله تعالى، فهو المستحق للعبادة، وهي أعلى درجات الحمد، وهو الجدير بكل حمد، دون غيره، وإذا كان ثمة حمد للعباد فهو إن كان على خير أسدوه كان حمد الله تعالى لتوفيقهم وعونهم، وإن كان الدافع على الثناء غير الخير، فهو ليس بحمد، وإنما هو كذب وافتراء على الحق وتعاون على الشر. وفد ذكر سبحانه أسباب ذلك الحمد الذي بلغ أعلى درجاته، فقال تعالت كلماته:
(الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظّلُمَاتِ وَالنُّورَ) هذا وصف لله سبحانه وتعالى يثبت كمال حق العبودية له وحده، وأنه لَا يستحق الحمد الكامل سواه، ولقد يقول الصوفية: إن العبودية لله تعالى ثلاث مراتب: أولاها - أن يعبدوه لذاته، والثانية - أن يعبدوه لصفة من صفاته كصفة الخلق والتكوين، والثالثة - أن يعبدوه لتكمل نفوسهم، ويحسموا بفضل الطاعة، وهذا النص يفيد أن حمد الله تعالى؛ لأنه خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، والحق أن المراتب الثلاث لَا تباعد بينها، فمن يعبد الله لذاته، فإن ذاته تعرف بصفاته، ومن يرى شرفه في عبادة الله وحده، فهو يتسامي.
والقول الجملي - أن الذكر لخلق السماوات والأرض لبيان سلطان الله تعالى وقدرته واستحقاقه وحده الألوهية؛ بدليل قوله سبحانه بعد ذلك: (ثُمَّ الَّذِين كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) .
وهنا بعض المباحث اللفظية التي نتعرض لها؛ لأنه يكون تقريبا لمعاني الإعجاز في النص: