والثاني: أنها فاءُ الجزاءِ ، أي: جوابُ شرطٍ مقدَّرٍ ، وقال الفارسيُّ:"وإنْ شئت ، لَمْ تَجْعَلِ الفاء ؛ لعطف جملة ، بل تجعلُه جزاءً ؛ كقول ذي الرُّمَّة: [الطويل] "
2069 - وإنْسَانُ عَيْنِي يَحْسِرُ المَاءُ تَارَةً...
فَيَبْدُو ، وتَارَاتٍ يَجُمُّ فَيَغْرَقُ
تقديرُه عندهم: إذا حَسَرَ بَدَا ، وكذا في الآية: إذا حَبَسْتُمُوهُمَا أقْسَمَا"."
[وقال مكيٌّ نحوه ؛ فإنه قال:"ويجوزُ أنْ تكونَ الفاءُ جواب جزاءٍ ؛ لأن"تَحْبِسُونَهُمَا"معناه الأمْرُ بذلك ، وهو جوابُ الأمْر الذي دَلَّ عليه الكلامُ ؛ كأنه قيل: إذا حَبَسْتُمُوهُمَا أقْسَمَا"]
قال شهاب الدين: ولا حاجةَ داعيةً إلى شيء من تقدير شرطٍ محذوفٍ ، وأيضاً: فإنه يُحْوجُ إلى حذفِ مبتدأ قبل قوله"فَيُقْسِمَان"، أي: فهما يُقْسِمَانِ ، وأيضاً ف"إنْ تَحْبِسُوهُمَا"تقدَّم أنها صفةٌ ، فكيف يَجْعَلُها بمعنى الأمر ، والطَّلَبُ لا يقع وصفاً؟ وأمَّا البيتُ الذي أنشده أبو عليٍّ ، فَخَرَّجَه النحويُّون على أنَّ"يَحْسِرُ الماءُ تَارَةً"جملةٌ خبرية ، وهي وإن لم يكنْ فيها رابطٌ ، فقد عُطِفَ عليها جملةٌ فيها رابطٌ بالفاء السَّببية ، وفاءُ السببية جَعَلَتِ الجملتَيْنِ شيئاً واحداً.
و"بالله"متعلِّقٌ بفعل القسم ، وقد تقدَّم أنه لا يجوز إظهارُ فعلِ القسمِ إلا معها ؛ لأنها أمُّ الباب ، وقوله: {لاَ نَشْتَرِي بِهِ} جوابُ القسم المضمرِ في"يُقْسِمَانِ"، فتُلُقِّي بما يُتَلَقَّى به ، وقوله:"إن ارْتَبْتُمْ"شرطٌ ، وجوابه محذوفٌ ، تقديرُه: إن ارتبتُمْ فيهما ، فحلِّفُوهُمَا ، وهذا الشرط وجوابه المقدَّرُ معترضٌ بين القسم وجوابه.
والمعنى: إن ارْتَبْتُمْ في شَأنِهِمَا فَحَلِّفُوهُمَا ، وهذا الشَّرطُ حُجَّةُ من يقول: الآيةُ نَازِلةٌ في إشْهَادِ الكُفَّارِ ؛ لأنَّ تَحْلِيفَ الشَّاهِدِ المُسْلِم غير مَشْرُوعٍ.