الخامس: أنَّ"شهَادَةُ"مُبْتدأ ، و"اثْنَانِ"فاعلٌ سدَّ مَسدَّ الخبَر ، ذكره أبُو البقاء وغيره ، وهو مذهبُ الفرَّاء ، إلا أنَّ الفرَّاء قدَّر الشَّهادةَ واقِعةً موقعَ فِعْلِ الأمْر ؛ كأنه قال:"لِيَشْهَدِ اثْنَانِ"، فجعلُه من باب نِيَابةِ المصْدَرِ عن فِعْل الطَّلَبِ ، وهو مثل"الحَمْدُ لله"و {قَالَ سَلاَمٌ} [هود: 69] ؛ من حيث المعنى ، وهذا مذهبٌ ضعيفٌ ردَّه النَّحْوِيُّون ، ويخصُّون ذلك بالوصْفِ المعتمد على نَفْيٍ أو استفهامٍ ؛ نحو:"أقَائِمٌ أبَواكَ"وعلى هذا المذهب ف"إذَا"و"حِينَ"ظرفان مَنْصُوبان على ما تقرَّر فيهمَا في غير هذا الوجه ؛ وقد تَحَصَّلْنا فيما تقدَّم أنَّ رفع"شَهَادَةُ"من وجْهِ واحدٍ ؛ وهو الابتداءُ ، وفي خبرها خَمْسَة أوجه تقدَّم ذكرُها مُفَصَّلَةً ، وأنَّ رفع"اثْنَان"من خَمْسة أوْجُه:
الأول: كونه خَبَراً لـ"شَهَادَةُ"بالتَّأويل المذكُور.
الثاني: أنه فاعلٌ بـ"شَهَادَةُ".
الثالث: أنه فاعلٌ بـ"يَشْهَدُ"مقدَّراً.
الرابع: أنه خبر مُبْتدأ ، أي: الشَّاهدان اثْنَانِ.
الخامس: أنه فاعلٌ سَدَّ مسدَّ الخبر ، وأنَّ في"إذَا"وجهين: إمَّا النَّصْبَ على الظرفيَّة ، وإمَّا الرفع على الخَبَرِيَّة لـ"شَهَادَةُ"، وكل هذا بَيِّنٌ مما لَخَّصْتُه قبلُ ، وقراءةُ الحسن برفعها منونةً تتوجه بما تقدَّم في قراءة الجُمْهور من غير فَرْقٍ.
وأمَّا قراءةُ النصبِ ، ففيها ثلاثةُ أوجهٍ:
أحدها - وإليه ذهب ابن جنِّي -: أنها منصوبةٌ بفعل مضمرٍ ، و"اثْنَان"مرفوعٌ بذلك الفعل ، والتقدير: ليُقِمْ شهادةَ بَيْنكُمُ اثْنَانِ ، وتبعه الزمخشريُّ.