والوجه عندي أن يكون قوله {إن ارتبتم} من جملة الكلام الذي يقوله الشاهدان ، ومعناه أنّ الشاهدين يقولان: إن ارتبتم في شهادتنا فنحن نقسم بالله لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولا نكتم الشهادة ، أي يقولان ذلك لاطمئنان نفس المُوصي ، لأنّ العدالة مظنّة الصدق مع احتمال وجود ما ينافيها ممّا لا يُطّلع عليه فأكّدت مظنّة الصدق بالحلف ؛ فيكون شُرع هذا الكلام على كلّ شاهد ليسْتوي فيه جميع الأحوال بحيث لا يكون توجيه اليمين في بعض الأحوال حَرجاً على الشاهدين الذين توجّهت عليهما اليمينُ من أنّ اليمين تعريض بالشكّ في صدقهما ، فكان فرض اليمين من قِبَل الشرع دافعاً للتحرّج بينهما وبين الوليّ ، لأنّ في كون اليمين شرطاً من عند الله معذرة في المطالبة بها ، كما قال جمهور فقهائنا في يمين القضاء التي تتوجّه على من يثبت حقّاً على ميّت أو غائب من أنّها لازمة قبل الحكم مطلقاً ولو أسقطها الوارث الرشيد.
ولم أقف على مَن عرّج على هذا المعنى من المفسّرين إلاّ قول الكواشي في"تلخيص التفسير":"وبعضُهم يقف على {يقسمان} ويبتدئ {بالله} قسماً ولا أحبّه"، وإلاّ ما حكاه الصفاقسي في"مُعربَه"عن الجرجاني"أنّ هنا قولاً محذوفاً تقديره: فيقسمان بالله ويَقُولان".
ولم يظهر للصفاقسي ما الذي دعَا الجرجاني لِتقدير هذا القول.
ولا أراه حمله عليه إلاّ جَعْلُ قوله {إن ارتبتم} من كلام الشاهديْن.
وجوابُ الشرط محذوف يدلّ عليه جواب القسم ، فإنّ القسم أولى بالجواب لأنّه مقدّم على الشرط.
وقوله {لا نشتري به ثمناً} الخ ، ذلك هو المقسم عليه.
ومعنى {لا نشتري به ثمناً} لا نعتاض بالأمر الذي أقسمنا عليه ثمناً ، أي عوضاً ، فضمير به ، عائد إلى القسم المفهوم من {يقسمان} .
وقد أفاد تنكير {ثمناً} في سياق النفي عمومَ كلّ ثمن.