وكل هذه المسائل: البحيرة ، والسائبة ، والوصيلة ، والحام ، هي من اختراعات أهل الكفر الذي يفترون على الله ، فالحق سبحانه وتعالى خلق هذه الأنعام ليستمتع الإنسان بأكلها وشرب لبنها وتسخيرها إلى ما يفيده .
ومعنى"يفتري الكذب"أي أنه يختلق كذباً ويدعيه ليطرأ به على صدق ليخفيه فالكذب ستر لحقيقة كانت قائمة . والحقيقة القائمة منذ أن خلق الله الخلق أن هذه الأنعام جميعها مسخرة لخدمة الإنسان ، وأبلغ سبحانه آدم بمنهجه ، وكان من المفروض أن يبلغ كل جيل الجيل الذي يليه ، لكن طول الزمن والغفلة هما السببان وراء نسيان الناس لبعض الأحكام ؛ لذلك بعث الله الرسل ليذكروا الناس بالمنهج ، وليزيلوا الكفر عن وعي الناس ، فالكافرون أناس ستروا منهج الله ، وستروا البلاغ عن الله ، وهم بذلك يفترون الكذب على الله .
ومثال ذلك قصة دخول الأصنام إلى الكعبة ، فقد سافر رجل اسمه عمرو بن لُحي إلى بلاد الشام ، فوجد أوثاناً وأصناماً فنقل منها صنما يقال له"هبل"إلى مكة ، وكان هو أول من أدخل الأصنام إلى مكة ، وكما فعل عمرو بن لُحَيّ فعل غيره بوضع قوانين وقواعد لم يأت بها الله ، كالوصيلة والبحيرة والسائبة والحام . وكان ذلك افتراءً على منهج الله وتغييراً لمنهج الحق ، وعلى فرض أنه لا منهج قد وصلهم من الله ، ألم يكن من ضرورة التعقل أن ينظروا في أمر هذه البدع والضلالات؟
إن الحق سبحانه وتعالى لم يمنع العقل من أن يصل إلى حقيقة كونية سليمة .
ولكن قد يجهد العقل ويتعب بالتجربة الطويلة حتى يصل إلى حقيقة ما . لذلك أراد سبحانه حماية الناس من شقاء التجارب القاسية فأنزل منهجه ليحدد الحرام من الحلال . قال سبحانه: {هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى وَدِينِ الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المشركون} [التوبة: 33] .