وأيضاً فإن المسألة إجماع من الصحابة وذلك أن أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وعائشة وفاطمة وعمرو بن العاص وابن الزبير وجابراً كلهم وقفوا الأوقاف ، وأوقافهم بمكة والمدينة معروفة مشهورة.
وروى أن أبا يوسف قال لمالك بحضرة الرشيد: إن الحبس لا يجوز ؛ فقال له مالك: هذه الأحباس أحباس رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر وفَدَك وأحباس أصحابه.
وأما ما احتج به أبو حنيفة من الآية فلا حجة فيه ؛ لأن الله سبحانه إنما عاب عليهم أن تصرفوا بعقولهم بغير شرع تَوَجه إليهم ، أو تكليف فُرِض عليهم في قطع طريق الانتفاع ، وإذهاب نعمة الله تعالى ، وإزالة المصلحة التي للعباد في تلك الإبل.
وبهذا فارقت هذه الأمور الأحباس والأوقاف.
ومما احتج به أبو حنيفة وزُفَر ما رواه عطاء عن ابن المسيب قال: سألت شريحاً عن رجل جعل داره حبساً على الآخِر من ولده فقال: لا حبس عن فرائض الله ؛ قالوا: فهذا شُرَيْح قاضي عمر وعثمان وعلي الخلفاء الراشدين حكم بذلك.
واحتج أيضاً بما رواه ابن لهِيعة عن أخيه عيسى ، عن عكرمة عن ابن عباس ، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول بعدما أنزلت سورة"النساء"وأنزل الله فيها الفرائض: ينهى عن الحبس.
قال الطبري: الصدقة التي يمضيها المتصدّق في حياته على ما أذِن الله به على لسان نبيه وعمِل به الأئمة الراشدون رضي الله عنهم ليس من الحبس عن فرائض الله ؛ ولا حجة في قول شريح ولا في قول أحد يُخالف السنة ، وعمل الصحابة الذين هم الحجة على جميع الخلق ؛ وأما حديث ابن عَباس فرواه ابن لهِيعة ، وهو رجل اختلط عقله في آخر عمره ، وأخوه غير معروف فلا حُجّة فيه ؛ قاله ابن القصار.