ويوضح الحق أن السبب في إرسال رسول لهؤلاء الناس أنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ، والتناهي عن المنكر إنما يكون بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر ، ولا يظنن المؤمن أنه بمنجاة عن خاطر السوء في نفسه لأن كلاً منا بشر . وعرضة للأغيار ، ومن لطف الله لحظة أن يهب خاطر السوء على مؤمن أن يجد أخاً خالياً من خواطر السوء فيواصيه بالحق ويواصيه بالصبر ؛ لأن الفرد إن جاءه سعار الشهوة في اللحظة التي يجيء فيه السعار نفسه عند صديق له فقد يتفقان على المنكر ، أما إن جاء سعار الشهوة لإنسان وكان صديقه مؤمناً خالياً من خواطر السوء ، فهو ينهاه ويوصيه بالحق والصبر . وهكذا . يتبادل المؤمنون التناهي بالتواصي ؛ فمرة يكون الإنسان ناهياً ، ومرة أخرى يكون الإنسان منهياً .
وكذلك أعطى الله هذه المسألة كلمة التواصي: {والعصر * إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر} [العصر: 1 - 3] .
ولم يخصص الحق قوماً ليكونوا الناهين ، وقوماً آخرين ليكونوا المنهيين ، لا ، بل كل واحد منا عرضة أن يكون ناهياً إن اتجهت خواطر صاحبه إلى الحرام ، وعرضة أيضاً لأن يكون منهياً إن كانت نفسه تتجه إلى الحرام ، وبذلك نتبادل النهي والتناهي ، ويسمون ذلك"المفاعلة"مثلما نقول:"شارك زيد عمرا"، ولا يشارك الإنسان نفسه إنما يشارك غيره ، ومعنى هذا أن هناك شخصا قد كان فاعلا مرة ، ومرة أخرى يكون مفعولاً ، وكيف تكون صيغة التفاعل هذه؟ . إنها مثل"تشارك"و"تضارب"أي أن يأتي الفعل من اثنين . ومن السهل إذن أن ينهي إنسان صديقاً له أو ينهاه صديق له . وقد نفسرها على أن الجميع ينهى نفسه بفعل القوة الخفية الفطرية التي توجد في كل نفس ، أي أن كل نفس تنهى نفسها . إذن فالتفاعل إما أن يكون في النفس وإما أن يكون في المجتمع .