لكن لماذا يريد الإنسان أن يعترف لأخر بمعصية؟ . إنه اعتراف للتنفيس ؛ لأن كل حركة في النفس البشرية ينتج عنها تأثير في النزوع ، فعندما يغضبك أحد فأنت تنزع إلى الانتقام ، ولهذا يأمرك الشرع حين يغضبك أحد أن تغير من وضعك وقل: {حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل} . حتى تصرف الطاقة السعارية عندك ، فإن أغضبك أحد وأنت قائم فاقعد ، وإن كنت قاعدا فاضطجع ، وأن كنت ثابتاً في مكان فلتسر بضع خطوات . والشرع حين يطلب منك أن تتحرك لحظة الغضب فذلك ليزيل من جسدك بعض الطاقة الفائضة الزائدة التي تسبب لك الغليان فتقل حدّة الغضب .
ولذلك فالشاعر العربي ينصح كل مستمع للشكوى ألا يرد السماع بل يصغي لصاحب الشكوى ؛ لذلك يقول:
ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة ... يواسيك أو يسليك أو يتوجع
وحينما تظهر المشاركة لصاحب الشكوى فأنت تريحه ، وتهديه إلى الاطمئنان . وينصح الشاعر صاحب الشكوى أن يضعها عند ذي المروءة ؛ لأن ذا المروءة إنما يعطيك أذنه ومشاعره وهو جدير أن تستأمنه على السّر ، وكأن الأسرار في خِزانة لن يعرف أحد ما بداخلها ، وبمثل هذا الاعتراف يريح الإنسان نفسه ، ويصرف انفعاله إلى شيء آخر .
وعندما تكرر النفس البشرية فعل السوء ولا تجد من ينهها أو ينهاها ، فالسوء يعم وينتشر ، هنا تتدخل السماء بإرسال رسول .