وحرّف بعضها كما قال سبحانه: {يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} (المائدة: 41) وكيف نأخذ بكتاب نسي حظ عظيم منه، ربما كان مبينًا ومفسرًا للباقي، أو فيه ما ليس فيه مما لا بد منه فيكون أخذنا به على غير وجهه، أو يكون ديننا ناقصًا ويصدق علينا قوله تعالى في أهل الكتاب: أَفَتُؤْمِنُونَ
بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ (البقرة: 85) الآية؟ ونكتفي هنا بالاستدلال
على نسيان أهل الكتاب حظًّا منه بالقرآن الكريم؛ لأن كلامنا مع الخصم في دلالة
القرآن على صدق الكتب، وسنثبته بعد بشهادة تلك الكتب وأقوال رؤساء
الديانة النصرانية.
قال:(والخامسة تبيّن أن أهل مكة كانوا يعرفون التوراة والإنجيل كما كانوا
يعرفون القرآن)ونقول إن هذه الآية هي قوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن
نُّؤْمِنَ بِهَذَا القُرْآنِ وَلاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ (سبأ: 31) ولا دلالة فيها على ما ذكر
حتى على تقدير أن المراد بالذي بين يديه الكتب المتقدمة؛ لأن سبب رفضهم
الإيمان هو دعوة القرآن ومن جاء به إلى ذلك الإيمان، أي أنهم قالوا: إننا لا نؤمن
بالكتاب الذي جئت به يا محمد وقلت إنه من عند الله، ولا نؤمن بالكتب التي قلت
إنها جاءت قبلك من عند الله، فأين الدليل في هذا على أن أهل مكة كانوا يعرفون
التوراة والإنجيل بذاتهما ويتدارسونهما وهم أميون لا يوجد فيهم، بل ولا في العرب
كافة من يكتب إلا أفراد لا يبلغون طرف جمع القلة - قيل إنهم كانوا ستة نفر -
والوجه الثاني في تفسير قوله تعالى: {وَلاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} (سبأ: 31) أنه
يوم القيامة وما يتلوه من الثواب والعقاب وهو الأظهر.
قال: (والسادسة تبين إقرار محمد بصحة الكتاب ومساواته إياه بالقرآن)
ونقول إنه أورد الآية السادسة هكذا:(قل فأتوا بكتاب هو أهدى منهما - القرآن
والإنجيل - أتبعه)فانظروا أيها المنصفون إلى أمانة هؤلاء الناس في النقل، وإلى
تحريفهم في المعنى وهم يخاطبون المسلمين ويعرفون حرصهم على القرآن العظيم
وقد أنزل الله تعالى الآية هكذا: قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا