تفيد أن الله تعالى أنزل التوراة والإنجيل هدى للناس، نعم وقد اهتدى بهما من قبل
أقوام فسعدوا، ثم حرَّفوا وفسقوا، وانحرفوا فشقوا، حتى جاء الإسلام بالهداية
الكبرى، والحجة العظمى، فاهتدى به بعضهم فسعدوا وسادوا على الآخرين،
وكانوا مع أهله الأعلين ما كانوا به مهتدين.
وقال إن الآية الثانية وهي: يَا أَهْلَ الكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا
التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ (المائدة: 68) تبين صحتهما، وهو كذلك ولكن للآية تتمة لم
يذكرها المصنف؛ لأنه غير منصف وهي قوله: {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} (المائدة: 68) فكأنه يأمرنا أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض كما فعل هو ومن
على شاكلته بالتوراة، والمراد بما أُنزل إليهم من ربهم القرآن؛ فإنه لم ينزل بعد
التوراة والإنجيل غيره، فالله تعالى يأمر أهل الكتاب بأن يكونوا مسلمين يؤمنون
بالكتب كلها، ويبين أن تعللهم واحتجاجهم على عدم اتِّباع القرآن بأنهم أصحاب
كتاب سماوي لا حاجة لهم بغيره احتجاج باطل وتعلل كاذب؛ لأنهم لم يقيموا
التوراة والإنجيل وأوضح هذا بالآيات الأخرى الناطقة بأنهم حرَّفوا، وبأنهم نسوا
حظًّا مما ذُكِّروا به، وأنهم لو أقاموهما لما حل بهم الخزي والنكال وَلَوْ أَنَّهُمْ
أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم (المائدة: 66) وكذلك وقع لإخوانهم الذين أسلموا فقد فازوا ببركات السماء
والأرض، وتتمة الآية التي نحن بصددها وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن
رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ (المائدة: 68) وهذه الحجة
قائمة عليهم إلى يوم القيامة؛ فإن هؤلاء الدعاة يخدعون عوام المسلمين بوجوب
اتِّباع التوراة ويوهمونهم أنهم متبعون لها، ويقول صاحب الأبحاث أن محمدًا يطلب
إقامة حدودها، ولا يوجد في الدنيا نصراني يقيم حدًّا من حدود التوراة أو يعمل
بأحكامها في العبادات والمعاملات، فما لهم يشفقون على المسلمين وينصحون لهم