وكل آية إنما تهدي الذي في أعماقه بذرة من خير ، أما الذي ينتفي الخير من داخله فالمسألة تزيده سراشة في قلبه . إن الشرير يُصَعِّد الشر ويزداد جُرمه وإثمه ، أما الخير فينزل من قِمّةِ الجرم إلى أقل درجة . ولنا المثل في قصة سيدنا يوسف عليه السلام ، فالحق يقول على لسان أخوة يوسف: {لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إلى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [يوسف: 8] .
ومن بعد ذلك قالوا لأبيهم: {مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا على يُوسُفَ} . ثم أخذوا في التبييت والتدبير وقالوا: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} . وكان أول التدبير لهم هو ما قاله الحق حكاية عنهم: {اقتلوا يُوسُفَ} .
ومعنى القتل هو إزهاق الروح . وهذه أعلى درجات الشر ، لكنهم يتراجعون عنها ويقولون: {أَوِ اطرحوه أَرْضاً} . فهم لم يرغبوا في قتله ، واكتفوا بأن يتركوه في مكان بعيد ، وتصوروا أن بعض السيارة قد يلتقطه فيبعدون يوسف عن أبيه . إذن هم بدأوا التدبير قتلاً ، ثم انتهوا بالتفكير لنجاة يوسف: {اقتلوا يُوسُفَ أَوِ اطرحوه أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} [يوسف: 9] .
والمرحلة الثالثة قولهم: {وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الجب} والجب فيه مياه ، وهناك أناس كثيرون يذهبون إلى مصادر المياه . هكذا يورد الحق لنا كيفية نمو الخير من بطن الكيد .
إذن ، فقوله الحق: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} أي أن الكثير منهم سيواصل رحلة التصعيد في الشر ، فوطن نفسك يا محمد على ذلك .