وفي قوله تعالى: {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} تأكيد لكمال جوده وغناه , وتقرير لهما ... إِذ معناه أَنه تعالى يرزق كما يريد: إن شاءَ وسّع والعطاءِ، وإِن شاءَ ضيقه. فعطاؤه تابع لمشيئته المبنية على الحكم التي شاءَ الله أن يقوم عليها نظام الدنيا والآخرة.
وليس ضيق العيش لنقص في خزائنه. ولا لإِمساك الخيرِ والبخل به عن عباده. وإنما هو لحكمة يعلمها ولا نعلمها. قال تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} وقال تعالَى: {قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يَمِينُ اللهِ ملأى لَا يَغِيضُهَا سَخَاءُ اللَّيل والنهارِ. أَرَأَيْتمْ مَا أَنفَقَ مُذْ خَلَقَ السَّموَاتِ وَالأرْضَ!! فَإِنَّه لمْ يَغِضْ مَا في يَمِينِهِ - قال - وَعَرْشُهُ عَلىَ الماءِ, وبيده الأخرى القبض. . . يَرْفع وَيخفضُ".
{وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} :
المراد بالكثير: علماءُ اليهود ورؤَساؤهم. وهم طغاة كافرون. ولكنهم يزدادون شدة في الكفر، وغلوًّا في الإِنكار والطغيان، كلما سمعوا آية أَنزلها الله إِليك.
أو المراد بالزيادة أَنهم يضمون - إِلى كفرهم وطغيانهم القديمين - كفرا جديدا، وطغيانا جديدا؛ لأَنهم كلما سمعوا آية أَنزلها الله إِليك، كفروا بها .. قال تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} .