إذن فقوله الحق: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً} . هذا القول مقصود به العقائد . وما دام قد شرع لنا في الدين ما وصى به نوحاً ، فهذا توصية بأفعال تتعلق أيضا بزمن نوح ، وسبحانه الذي وضع لنا المنهاج الذي نسير عليه في زماننا . إذن فالأمران متساويان . والمهم هو وحدة المصدر المشرِّع .
ويقول الحق: {وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} . فلو شاء لجعل"افعل"ولا"تفعل"واحدة في كل المناهج ، ولكن ذلك لم يكن متناسباً مع اختلاف الأزمان والأقوام الانعزالية قبل الإسلام بداءاتها المختلفة ؛ لذلك كان من المنطقي أن تأتي الأحكام مناسبة للداءات . {وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ولكن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إلى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} [المائدة: 48]
وسبحانه وتعالى لو شاء لجعلنا أمة واحدة في"افعل"و"لا تفعل"ولكنه - سبحانه - لم يرد ذلك حتى لا يألف الناس العبادة وتصير كالعادة عندهم ، فحينما يألف الناس أداء العبادات ، فهم بذلك يحرمون لذة التكليف والإيمان ، فكان لا بد أن يأتي التشريع مناسبا لكل زمان . وذلك ليفرق بين قوم وقوم ففي الصوم - على سبيل المثال - نجد أن الحق يسمح لنا بالطعام والشراب والجنس في الفترة ما بين الإفطار والسحور ؛ فالحق يأتي إلى الشيء الرتيب ويأتي فيه أمر الله بالامتناع عنه لفترة زمنية معينة . ولا يقرب المؤمن هذه المحرمات في زمان معين ، ولا يقرب غيرها في أي زمان ومكان . مثل شرب الخمر ، أو أكل لحم الخنزير . والمؤمن لا يقرب هذه الأشياء بطبيعة اختياره . ويأتيه الصوم ليعلمه ويدربه على الانصياع للتكليف فيحرمه الحق من الطعام طول نهار شهر رمضان وكذلك الشراب والجنس .