قال ابن عباس وعكرمة والضحاك:"إن اللهَ وسَّعَ عَلَى اليَهُودِ في الدُّنْيَا، حَتى كَانُوا أكْثَرَ الناسِ مَالًا. فَلَمَّا عَصَوُا اللهَ، وَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلم وَكذَّبُوه، ضَيَّقَ اللهُ عَلَيْهِمْ في زَمَنِهِ صَلى اللهُ عَليهِ وسلم، فقال فنحاص بن عازوراء ومن معه - من يهود - يد اللهِ مغلولةٌ. فأنزل الله هذه الآية:"
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ} :
مغلولة أي: مقبوضة بالعطاءِ. كناية عن البخل والإمساك.
أَي: إِن الله بخيلٌ علينا بما عنده من المال والعطاء والرزق. أَو المراد بهذا: أَنه فقير، لا يجد ما يعطيه لنا، ليتفق مع ما حكاه القرآن عنهم في قوله تعالى: { ... إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ... } وقد عاقب الله هؤُلاء اليهود بعقاب من جنس عملهم، جزاءً وفاقا حين قال عنهم:
{غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا} :
والمراد إلصاقهم بالبخل والنكد، والمسكنة والعجز، والطرد من رحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة. والبعدِ عن رضوانه. بسبب قولهم: {يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ} .
وكما يراد منه الدعاء عليهم بالبخل والعجز, يجوز أَن يكون المراد به الدعاء عليهم: أن تُقَيَّدَ أَيديهم في الدنيا حقيقة. بأخذهم أَسارى، ويوم القيامة يسحبون في النار على وجوههم بأغلالهم.
وقد حقق الله قضاءه فيهم. فكانوا أبخل الناس في الدنيا. وأحرصهم على المال. وباءوا في الآخرة بالخلود في النار.
{بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} :
أي: ليس الأمر كما يزعم هؤلاء اليهود. بل هو سبحانه. في غاية ما يكون من الجود والغنى .. نِعَمُهُ الظاهرة والباطنة منتشرة بين الناس جميعًا: تغمرهم بفيضها، وتمتد عليهم في الدنيا والآخرة بظلالها. لا تغيض ولا تنفد.
وقد أشير بتثنية اليد إلى تقرير غاية جوده وغناه. فإن أَقصى ما تصل إِليه همة الجواد السخى, أَن يُعطىَ ما يعطيه، بكلتا يديه.