والدليل على أن الحُبّ الطبيعي للكافر قد لا يؤثّر في كمال الإيمان ، لكونه مباحًا ، بالشرط الآنف ذكره: قولُه تعالى عن نبيّه - صلى الله عليه وسلم - في وصف حاله مع عمِّه أبي طالب الذي مات على الكفر: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (1) [القصص 056] (2) . فأثبت اللهُ تعالى على نبيّه - صلى الله عليه وسلم - محبَّةَ عمّه الكافر ، ولم يَعْتَبْ عليه هذه المحبّة ، ولا لامَهُ عليها ؛ فدلّ ذلك على عدم مخالفتها لكمال الإيمان ، وأنَّى تخالفه وقد وقعت من أكمل الناس إيمانًا - صلى الله عليه وسلم - ؟!
المبحث الخامس
مظاهر الغُلُوِّ في الولاء والبراء وبراءتُه منها
مظاهر غُلُوِّ الإفراط
الغُلُوّ في (الولاء والبراء) ، له وجهان: غُلُوّ إفراطٍ ، وغُلُوّ تفريط.
أو قُلْ: غُلُوٌّ ، وجفاء.
أمّا مظاهر غلوّ الإفراط ، فترجع إلى مظهرين بارزين:
المظهر الأول: التكفيرُ بالأعمال الظاهرة التي تخالف موجبات (الولاء والبراء) ، بسبب عدم فهم مناط التكفير في (الولاء والبراء) .
فقد سبق أن مناط التكفير في (الولاء والبراء) هو عَمَلُ القلب ، فحُبّ الكافر لكُفْره ، أو تمنِّي نصرة دين الكفار على دين المسلمين ، هذا هو الكفر في (الولاء والبراء) . أمّا مجرّد النصرة العمليّة للكفار على المسلمين ، فهي وحدها لا يُمكن أن يُكَفَّر بها ؛ لاحتمال أن صاحبها ما زال يُحبُّ دين الإسلام ويتمنّى نصرته ، لكن ضَعْفَ إيمانه جعله يُقدِّمُ أمرًا دنيويًّا ومصلحةً عاجلة على الآخرة.
(1) سورة القصص آية: 56.
(2) قال الطبري في تفسيره (18 282) : (إنك يا محمد لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ هدايته وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ أن يهديه من خَلْقه ، بتوفيقه للإيمان بالله وبرسوله. ولو قيل: معناه: إنك لا تهدي من أحببته ؛ لقرابته منك ، ولكن الله يهدي من يشاء = كان مذهبًا) .