ذلك أن الحُبَّ القلبي لغير المسلمين ليس شيئًا واحدًا ، فمنه ما ينقض (الولاء والبراء) من أساسه ، ويَكْفُرُ صاحبُه بمجرّده. ومنه ما يَنْقُصُ من (الولاء والبراء) ولا يَنْقُضُهُ ، فيكون معصيةً تَنْقُصُ الإيمانَ ولا تنفيه. ومنه مالا يؤثر في كمال الإيمان وفي معتقد (الولاء والبراء) ، لكونه مباحًا من المباحات. أمّا الحبّ القلبيُّ الذي يَنْقُضُ (الولاء والبراء) وينفي أساسَ الإيمان: فهو حُبُّ الكافر لكُفْره.
وأمّا الحبُّ القلبي الذي لا يصل إلى حدّ النَقْض ، لكنه يُنْقِصُ الإيمانَ ، ويدل على ضعفٍ في معتقد (الولاء والبراء) ، فهو: محبّة الشخص (كافرًا أو مسلمًا) لِفسْقِه أو لمعصيةٍ يقترفها. فهذا إثمٌ ولا شك ، ولكنه لا يصل إلى درجة الكفر لكونه لا ينافي أصل الإيمان ؛ إذْ لا يزال في المسلمين من يحبّ المعاصي ويقترفها ، ولم يكفّرهم أحدٌ من أهل السنة. وهذا الحبّ قد يكون كبيرة من كبائر الذنوب ، وقد لا يكون كذلك ، بحسب حال المحبوب ومعصيته ، فمن أحبّ محبوبًا لارتكابه الكبائر ، فهذا الحب كبيرة ، ومن أحبّه لصغيرة يرتكبها ، فلا يزيد إثمه على إثم من ارتكبها. وهذا التقرير واضح الالتئام ، بيِّنُ المأخذ ، بحمد الله تعالى.
وأمّا الحبّ المباح فهو الحب الطبيعي ، وهو الخارج عمَا سبق. كحبّ الوالد لولده الكافر ، أو الوَلَدِ لوالديه الكافرين ، أو الرجل لزوجه الكتابيّة ، أو المرْءِ لمن أحسنَ إليه وأعانه من الكفار. فهذا الحُبّ مباح ، ما دام لم يؤثر في بُغْضه لكفر الكافرين ، وفسق الفاسقين ، ومعصية العاصين. أمّا إذا أثّر في بُغْضه ، فإنه يعود إلى أحد القسمين السابقين ، بما فيهما من تفصيل.