ولا شك أن بعضَ جهلة المسلمين (فضلًا عمّن سواهم) ظنّوا أن بين تلك الآداب و (الولاء والبراء) تعارضًا ، وأنه لا يُمكن أن يجمع المسلم بينهما. فمال بعضهم إلى التفريط في (الولاء والبراء) غلوًّا في تطبيق تلك الآداب ، ومال ببعضهم الآخر إلى الإفراط في تلك الآداب غلوًّا في (الولاء والبراء) . ودين الله وسط ، بين الغالي والجافي.
وبيان عدم تعارض تلك الآداب مع (الولاء والبراء) : أن تلك الآداب إذا أردنا أن تكون شرعيّةً محبوبةً لله تعالى ، فيجب أن نلتزم بها: طاعةً لأمر الله تعالى وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - مع بُغض الكفار لكفرهم ، ومع عدم نُصرة غير المسلمين على المسلمين ؛ فنحن نلتزم بتلك الآداب لا حُبًّا للكفار ، ولكن إقامةً للعدل والإحسان الذي أُمرنا به.
وقد عقد الإمام القرافي فصلًا لبيان الفرق بين الأمر بعدم موالاة الكفار والأمر ببر أهل الذمة منهم والإحسان إليهم ، قال فيه (رحمه الله) :"وإذا كان عقد الذمة بهذه المثابة تعيَّن علينا أن نبرهم بكل أمر لا يكون ظاهره يدل على مودات القلوب ، ولا تعظيم شعائر الكفر ، فمتى أدى إلى أحد هذين امتنع ، وصار من قبيل ما نُهي نهى في الآية وغيرها" (1) ثم فصل كلامه بذكر بعض الأمثلة. ويلحظ أن القرافي أطلق في مواطن أنّ المحرَّم هو الوُدُّ الباطن ، وإن كان سياق كلامه يدل على مقصوده. وهذا أوانُ تحرير هذه المسألة ، وهو من مُكمِّلات بيان سماحة معتقد الولاء والبراء.
(1) الفروق للقرافي (3 15 - 16) .