ودليل هذا التقرير: {قصةُ حاطب بن أبي بلتعة - رضي الله عنه - عندما أخبر (1) كفارَ مكّة سِرًّا ، يخبرهم بعزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يغزوهم ، وعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك ، فأرسل مَن أخذ الكتاب مِمّن خرج ليصل به إلى كفار مكة. ودعا حاطبًا ، فقال له - صلى الله عليه وسلم - (يا حاطب ، ما هذا ؟!) ، قال: لا تعجل عليَّ يا رسول الله! إني كنتُ أمرًا مُلْصَقًا في قريش (وكان حليفًا لهم ، ليس من أنفسهم) ، وكان مِمّن معك من المهاجرين لهم قراباتٌ يحمون أهليهم ، فأحببتُ - إذ فاتني ذلك من النسب فيهم - أن أتّخذَ فيهم يدًا ، يحمون بها قرابتي. ولم أفعلْه كُفْرًا ، ولا ارتدادًا عن ديني ، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (صدق) . فقال عمر: دَعْني - يا رسول الله - أضربْ عُنُقَ هذا المنافق ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - (إنه قد شهد بدرًا ، وما يُدريك.. لعلّ الله اطَّلعَ على أهل بدر ، فقال: اعملوا ما شئتم ، فقد غفرتُ لكم} (1) (2) .
وقد صَرّحَ شيخُ الإسلام ابن تيميّة: أنّ ما وقع من حاطب بن أبي بلتعة ذنبٌ وليس كفرًا (3) .
(1) البخاري الجهاد والسير (2845) , مسلم فضائل الصحابة (2494) , الترمذي تفسير القرآن (3305) , أبو داود الجهاد (2650) , أحمد (1/80) .
(2) انظر: صحيح البخاري (رقم 3007 ، 3081 ، 3983 ، 4274 ، 4890 ، 6259 ، 6939) وصحيح مسلم (رقم 2494 ، 2495) .
(3) انظر: شرح حديث جبريل عليه السلام - الإيمان الأوسط - (402 - 403) ، ومجموع الفتاوى (7 522 - 523) . بل إن شيخ الإسلام مع تكفيره للتتار ، قال عمن يقاتل المسلمين مع التتار (28 552) :"وأيضًا لا يقاتل معهم - غير مكره - إلا فاسق ، أو مبتدع ، أو زنديق..". فها هو فصل أصناف المقاتلين معهم ، ولم يجعلهم قسمًا واحدًا ، ولم يكفر بمجرد القتال معهم.