وقد قال بعض العارفين: الطرق إلى الله تعالى مسدودة إلا على من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم {وَيُخْرِجُهُمْ مّنِ الظلمات} وهي ظلمات الشك والاعتراضات النفسانية والخطرات الشيطانية {إِلَى النور} وهو نور الرضا والتسليم {وَيَهْدِيهِمْ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ} [المائدة: 16] وهو طريق الترقي في المقامات العلية ، وقد يقال: الجملة الأولى: إشارة إلى توحيد الأفعال ، والثانية: إلى توحيد الصفات ، والثالثة: إلى توحيد الذات {لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ} فحصروا الألوهية فيه وقيدوا الإله بتعينه وهو الوجود المطلق حتى عن قيد الإطلاق {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ المسيح ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِى الأرض جَمِيعاً} فإن كل ذلك من التعينات والشؤون والله من ورائهم محيط {وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا} أي عالم الأرواح وعالم الأجساد وعالم الصور {يَخْلُقُ مَا يَشَاء} [المائدة: 17] ويظهر ما أراد من الشؤون {وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ} فادّعوا بنوة الإسرار والقرب من حضرة نور الأنوار ، وقد قال ذلك قوم من المتقدمين كما مرت الإشارة إليه ، وقال ما يقرب من ذلك بعض المتأخرين ، فقال الواسطي: ابن الأزل والأبد لكن هؤلاء القوم لم يعرفوا الحقائق ولم يذوقوا طعم الدقائق فرد الله تعالى دعواهم بقوله سبحانه: {قُلْ فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم} والأبناء والأحباب لا يذنبون فيعذبون ، أو لا يمتحنون إذ قد خرجوا من محل الامتحان من حيث الأشباح {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} كسائر عباد الله تعالى لا امتياز لكم عليهم بشيء كما تزعمون {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء} منهم فضلاً {وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء} [المائدة: 18] منهم عدلاً وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ يا قوم