وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ عَنْ قِيلِ قَوْمِ مُوسَى حِينَ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ مَا قَالُوا مِنْ قَوْلِهِمْ: {إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ , وَغَضِبَ مِنْ قِيلِهِمْ لَهُمْ دَاعِيًا: يَا رَبِّ {إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي}
يَعْنِي بِذَلِكَ: لَا أَقْدِرُ عَلَى أَحَدٍ أَنْ أَحْمِلَهُ عَلَى مَا أُحِبُّ وَأُرِيدُ مِنْ طَاعَتِكَ وَاتِّبَاعِ أَمْرِكَ وَنَهْيِكَ , إِلَّا عَلَى نَفْسِي وَعَلَى أَخِي. منْ قَوْلِ الْقَائِلِ: مَا أَمْلِكُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْئًا إِلَّا كَذَا وَكَذَا , بِمَعْنَى: لَا أَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ غَيْرِهِ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} افْصِلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بِقَضَاءٍ مِنْكَ تَقْضِيهِ فِينَا وَفِيهِمْ فَتُبَعِّدُهُمْ مِنَّا , مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: فَرَقْتُ بَيْنَ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ , بِمَعْنَى: فَصَلْتُ بَيْنَهُمَا؛ مِنْ قَوْلِ الرَّاجِزِ:
[البحر الرجز]
يَا رَبِّ فَافْرُقْ بَيْنَهُ وَبَيْنِي ... أَشَدَّ مَا فَرَقْتَ بَيْنَ اثْنَيْنِ
وَعَنَى بِقَوْلِهِ: {الْفَاسِقِينَ} الْخَارِجِينَ عَنِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَبِهِ , إِلَى الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَبِهِ.
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْفِسْقِ: الْخُرُوجُ مِنْ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ , فِيمَا مَضَى , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ ..
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) }
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي النَّاصِبِ لِلْأَرْبَعِينَ , فَقَالَ بَعْضُهُمُ: النَّاصِبُ لَهُ قَوْلُهُ: {مُحَرَّمَةٌ} وَإِنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ عَصَوْهُ وَخَالَفُوا أَمْرَهُ مِنْ قَوْمِ مُوسَى وَأَبَوْا حَرْبَ الْجَبَّارِينَ , دُخُولَ مَدِينَتِهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً , ثُمَّ فَتَحَهَا عَلَيْهِمْ , وَأُسْكِنُوهَا , وَأَهْلَكَ الْجَبَّارِينَ بَعْدَ حَرْبٍ مِنْهُمْ لَهُمْ , بَعْدَ أَنْ قُضِيَتِ الْأَرْبَعُونَ سَنَةً , وَخَرَجُوا مِنَ التِّيهِ""