مَدِينَتِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ: {إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا} يَعْنُونَ: إِنَّا لَنْ نَدْخُلَ مَدِينَتَهُمْ أَبَدًا. وَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا} مِنْ ذِكْرِ الْمَدِينَةِ. ويَعْنُونَ بِقَوْلِهِمْ: {أَبَدًا} أَيَّامَ حَيَاتِنَا مَا دَامُوا فِيهَا , يَعْنِي: مَا كَانَ الْجَبَّارُونَ مُقِيمِينَ فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ الَّتِي كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُمْ وَأُمِرُوا بِدُخُولِهَا.
{فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ} لَا نَجِيءُ مَعَكَ يَا مُوسَى إِنْ ذَهَبْتَ إِلَيْهِمْ لِقِتَالِهِمْ , وَلَكِنْ نَتْرُكُكَ تَذْهَبْ أَنْتَ وَحْدَكَ وَرَبُّكَ فَتُقَاتِلَانِهِمْ وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ فِي ذَلِكَ: لَيْسَ مَعْنَى الْكَلَامِ: اذْهَبْ أَنْتَ وَلْيَذْهَبْ مَعَكَ رَبُّكَ فَقَاتِلَا , وَلَكِنْ مَعْنَاهُ: اذْهَبْ أَنْتَ يَا مُوسَى , وَلْيُعِنْكَ رَبُّكَ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الذَّهَابُ. وَهَذَا إِنَّمَا كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى طَلَبِ الْمَخْرَجِ لَهُ لَوْ كَانَ الْخَبَرُ عَنْ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ , فَأَمَّا قَوْمٌ أَهْلُ خِلَافٍ عَلَى اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَرَسُولِهِ , فَلَا وَجْهَ لِطَلَبِ الْمَخْرَجِ لِكَلَامِهِمْ فِيمَا قَالُوا فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَافْتَرَوْا عَلَيْهِ إِلَّا بِمَا يُشْبِهُ كُفْرَهُمْ وَضَلَالَتَهُمْ.
عَنْ طَارِقٍ: أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ , قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّا لَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: {اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} وَلَكِنْ نَقُولُ: «اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا , إِنَّا مَعَكُمْ مُقَاتِلُونَ»
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُمَا يَقُولُونَ: إِنَّمَا قَالُوا هَذَا الْقَوْلَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُمْ أَمْرُ الْجَبَّارِينَ وَشِدَّةُ بَطْشِهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) }