واحتج جهم بوجوه: الحجة الأولى: قوله تعالى: {الله خالق كُلّ شَيْء}
[الزمر: 62] وكذلك قوله: {وَهُوَ على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ}
[المائدة: 17] فهذا يقتضي أن يكون كل شيء مخلوقاً ومقدوراً ، والله تعالى ليس بمخلوق ولا مقدور ، ينتج أن الله سبحانه وتعالى ليس بشيء .
فإن قالوا إن قوله تعالى: {الله خالق كُلّ شَيْء}
وقوله: {وَهُوَ على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ}
[الملك: 1] عام دخله التخصيص ، قلنا الجواب عنه من وجهين: الأول: أن التخصيص خلاف الأصل ، والدلائل اللفظية يكفي فِي تقريرها هذا القدر ، الثاني: أن الأصل فِي جواز التخصيص هو أن أهل العرف يقيمون الأكثر مقام الكل ، فلهذا السبب جوزوا دخول التخصيص فِي العموميات ، إلا أن إجراء الأكثر مجرى الكل إنما يجوز فِي الصورة التي يكون الخارج عن الحكم حقيراً قليل القدر فيجعل وجوده كعدمه ، ويحكم على الباقي بحكم الكل ، فثبت أن التخصيص إنما يجوز فِي الصورة التي تكون حقيرة ساقطة الدرجة إذا عرفت هذا فنقول: إن بتقدير أن يكون الله تعالى مسمى بالشيء كان أعظم الأشياء وأجلها هو الله تعالى ، فامتنع أن يحصل فيه جواز التخصيص ، فوجب القول بأن ادعاء هذا التخصيص محال.
الحجة الثانية: قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَهُوَ السميع البصير}
[الشورى: 11] حكم الله تعالى بأن مثل مثله ليس بشيء ، ولا شك أن كل شيء مثل لمثل نفسه ، وثبت بهذه الآية أن مثل مثله ليس بشيء ينتج أنه تعالى غير مسمى بالشيء ، فإن قالوا إن الكاف زائدة ، قلنا هذا الكلام معناه أن هذا الحرف من كلام الله تعالى لغو وعبث وباطل ، ومعلوم أن هذا الكلام هو الباطل ، ومتى قلنا إن هذا الحرف ليس بباطل صارت الحجة التي ذكرناها فِي غاية القوة والكمال.