وليس شيء من الروايات واردا في الصحاح ومع ذلك فالآيات متناسبة معها بحيث يمكن القول إنها نزلت في مناسبة مماثلة لتقرر الحق في الموقف الجدلي أو التفاخري ولتنبه على أن رضاء الله ورحمته إنما ينالا بالإيمان والعمل الصالح وليس بالتفاخر والآمال والادعاء. والآية [125] احتوت ثناء على من اتبع ملة إبراهيم.
وهي منسجمة في الآيات بحيث يمكن القول إنها جزء منها. ولقد كان يقوم جدل بين النبي والكتابيين حول ملّة إبراهيم وأولى الناس به وحكي ذلك في آيات سورة آل عمران [65 - 68] التي مرّ تفسيرها. ومن الجائز أن يكون الكلام في الجدل الجديد تطرق إلى ذلك فاقتضت حكمة التنزيل بيان كنه ملّة إبراهيم التوحيدية الإسلامية والتنويه بأن أحسن الناس هم الذين يسلمون وجوههم له ويتبعون هذه الملّة حيث يبدو أن رواية الجدل بين المسلمين والكتابيين هي الأكثر ورودا كسبب لنزول الآيات. وعلى ضوء آيات سورة آل عمران يمكن القول بأن الآيات انطوت على تقرير أولوية وأفضلية النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به على أهل الكتاب الذين هم طرف في الموقف الجدلي لأنهم هم الذين اتبعوا هذه الملة.
ومن الممكن أن يلمح شيء من الصلة بين موضوع هذه الآيات والآيات السابقة فإما أن تكون قد نزلت هذه بعد تلك فوضعت مكانها للتناسب الظرفي والموضوعي. وإما أن تكون وقعت بعدها للتناسب الموضوعي والله تعالى أعلم.
وعلى كل حال فالآيات قوية حاسمة في التعبير والتقريب والتلقين كما هو واضح فلا يصح لامرئ أن يركن على الدعوى والأمانيّ والانتساب والظواهر.
وعلى كل إنسان أن يتأكد من أنه ملاق جزاء عمله إن خيرا فخيرا وإن سوءا فسوءا.
وأن النهج القويم الذي يرضى الله عنه ولا نهج خيرا منه هو إسلام النفس لله عز وجل ونبذ سواه والعمل الصالح في اتباع ملّة الإسلام المستقيمة التي هي ملة إبراهيم عليه السلام. وتقرير كون كل امرئ ملاقيا جزاء عمله بدون ظلم خيرا كان أو سوءا مما تكرر في القرآن كثيرا بل ومما دار عليه كل هدف قرآني بالنسبة لحياة الإنسان في الدنيا والآخرة.