قال أصحاب المعاني: لما ذكر الله أنه يُغني من سعته، أشار إلى ما يوجب الرغبة إليه في طلب الخير منه، لأنه الذي يملك السماوات والأرض، ولا تفنى خزائنه.
ثم ذكر الوصية بتقوى الله مُجملة فقال: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} قال ابن عباس: يريد اليهود والنصارى.
{وَإِيَّاكُمْ} أوصى. {أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} .
قال الأخفش: أي: بأن اتقوا الله، كقوله:
أمرتك الخير ... البيت
قال الكسائي: يقال أوصيتك أن أفعل كذا، وأن تفعل كذا، كلٌّ عربي، ويقال: ألم آمرك أن ائت زيدًا، وأن تأتي زيدًا؟ قال الله تعالى: {إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} ثم قال {وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 14] على النهي بعد قوله: {أَنْ أَكُونَ} وهي قراءة أُبي: (ولا أكون من المشركين) ، وقال: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي} [النمل: 91] ولو كان على الأمر: أن أعبد - جزمًا - ، لكان صوابًا.
ثم بيّن أن نفع التقوى عائد إلى العباد، بأنه جل وعز غني عنهم وعن جميع الأشياء فقال:
{وَإِنْ تَكْفُرُوا} أي: بما أوصيكم به.
قال المفسرون: يعني: أن له ملائكة في السماوات والأرض هم أطوع له منكم.
{وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا} . معنى الغني: الذي لا حاجة له، والله تعالى غني بذاته، لا بشيء ، ولهذا قال أصحابنا: الغني هو القادر على ما يريد؛ لأنه إنما يستغني بقدرته على ما يريد.
والحميد: المحمود على نعمه.
133 -قوله تعالى: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ} . قال أهل المعاني: في الآية محذوف، على تقدير: إن يشأ يذهبكم يُذهبكم؛ لأنه
ليس على معنى إن كانت له مشيئة ما أذهبكم، ولكن مشيئته الإذهاب.
قال ابن عباس: يريد المشركين والمنافقين.
{وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} قال: يريد قومًا من قريش، لم يكونوا هاجروا ثم أسلموا بعد الفتح.