وذلك المَتْلُوّ في الكِتَاب هو قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى} [النساء: 3] وحَاصِل الكلام: أنَّهم قد سألُوا عن أحْوَال كَثِيرةٍ من أحْوالِ النِّسَاء ، فما كان مِنْهَا غير مُبَيَّن الحُكْم ، ذَكر أن اللَّه يُفْتِيهم فيها ، وما كان فِيهَا مُبَيَّن الحُكْم في الآيات المُتَقَدِّمَةِ ، ذكر أن تِلْك الآيَات المَتْلُوة تُفْتيهم فيها ، وجعل دَلاَلة الكِتَاب على الحُكْم إفتاء من الكتاب ؛ كما يُقَال في المَجَازِ المَشْهُور: كِتَاب اللَّه يُبَيِّن لنا هَذَا الحُكْم ، وكلام الزَّمخشري يحتمل جَمِيع الأوْجُه ، فإنه قال:"ما يُتْلى"في مَحَلِّ الرفع ، أي: اللَّهُ يُفْتِيكُم ، والمتلوُّ في الكِتَاب في مَعْنَى: اليتامى ، يعني قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى} [النساء: 3] .
وهو من قَوْلِك:"أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُه"انتهى ، يعني: أنَّه من باب التَّجْريد ؛ إذ المقصودُ الإخْبَارُ بإعجَاب كَرَم زيدٍ ، وإنما ذُكِر زَيْدٌ ؛ ليُفيدَ هذا المَعْنَى الخاصَّ لذلك المَقْصُود أنّ الذي يُفْتيهم هو المَتْلُوُّ في الكِتَابِ ، وذُكِرت الجَلاَلةُ للمعنى المُشَار ، وقد تقدَّم تَحْقِيق التَّجْرِيد في أوَّل البَقَرة ، عند قوله: {يُخَادِعُونَ الله} [البقرة: 9] .
والجَرُّ من وَجْهَيْن:
أحدهما: أن تكُون الواوُ للقَسَم ، وأقسمَ اللَّهُ بالمَتْلُوِّ في شأن النِّساء ؛ تَعْظِيماً له ، كأنه قيل: وأقْسِمُ بما يُتْلى عَلَيْكُم في الكِتاب ؛ ذكره الزمخشري.