وقد وردت روايات في سبب نزول هذه الآية الكريمة منها ما أخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير أنها نزلت في جندب بن ضمرة وكان قد بلغه وهو بمكة قوله - تعالى -: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ .. الآية فقال لبنيه: احملونى فإنى لست من المستضعفين، وإنى لأهتدى إلى الطريق، وإنى لا أبيت الليلة بمكة. فحملوه على سرير متوجها إلى المدينة - وكان شيخا كبيرا، فمات بالتنعيم - وهو موضع قرب مكة - ولما أدركه الموت أخذ يصفق يمينه على شماله ويقول: اللهم هذه لك. وهذه لرسولك صلى الله عليه وسلم أبايعك على ما بايع عليه رسولك - ثم مات - ولما بلغ خبر موته الصحابة قالوا: ليته مات بالمدينة فنزلت الآية.
هذا، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى:
1 -وجوب الهجرة من دار لا يستطيع المسلم فيها أن يؤدى شعائر دينه.
قال القرطبي: في هذه الآيات دليل على هجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي. وقال سعيد بن جبير: إذا عمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها. وتلا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها. وقال مالك: هذه الآيات دالة على أنه ليس لأحد المقام في أرض يسب فيها السلف ويعمل فيها بغير الحق.
وقال الشيخ القاسمي ما ملخصه: قال الحافظ بن حجر في «الفتح» : الهجرة الترك.
والهجرة إلى الشيء الانتقال إليه عن غيره. وفي الشرع: ترك ما نهى الله عنه.
وقد وقعت في الإسلام على وجهين:
الأول: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن. كما في هجرتي الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة.
الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان. وذلك بعد أن استقر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين. وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالمدينة إلى أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص وبقي عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقيا.
ثم قال الشيخ القاسمي: وقد أفصح ابن عمر بالمراد فيما أخرجه الإسماعيلى بلفظ: