وَأَوْلَى هَذِهِ الْمَعَانِي بِلَفْظِ الْآيَةِ اجْتِمَاعُ الظُّلْمَةِ وَذَهَابُ الْبَيَاضِ وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ غَسَقُ اللَّيْلِ هُوَ غُرُوبُ الشَّمْسِ لَكَانَتْ الْغَايَةُ الْمَذْكُورَةُ لِلْوَقْتِ هِيَ وُجُودُ اللَّيْلِ فَحَسْبُ ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الْآيَةِ: أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلَى اللَّيْلِ ؛ وَتَسْقُطُ مَعَهُ فَائِدَةُ ذِكْرِ الْغَسَقِ مَعَ اللَّيْلِ.
وَلَمَّا وَجَبَ حَمْلُ كُلِّ لَفْظٍ مِنْهُ عَلَى فَائِدَةٍ مُجَدَّدَةٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ غَسَقُ اللَّيْلِ قَدْ أَفَادَ مَا لَمْ يُفِدْنَاهُ لَوْ قَالَ: إلَى اللَّيْلِ ؛ فَتَكُونُ الْفَائِدَةُ فِيهِ اجْتِمَاعَ الظُّلْمَةِ دُونَ وُجُودِ اللَّيْلِ عَارِيًّا مِنْ اجْتِمَاعِهَا.
وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الشَّفَقَ هُوَ الْبَيَاضُ حَدِيثُ بَشِيرِ بْنِ أَبِي مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ {النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْعِشَاءَ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ حِينَ اسْوَدَّ الْأُفُقُ وَرُبَّمَا أَخَّرَهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ} ، فَأَخْبَرَ عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَائِلِ أَوْقَاتِهَا ، وَأَخْبَرَ عَنْهَا فِي أَوَاخِرِهَا ، وَذَكَرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ اسْوِدَادَ الْأُفُقِ ؛ وَمَعْلُومٌ أَنَّ بَقَاءَ الْبَيَاضِ يَمْنَعُ إطْلَاقَ الِاسْمِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
فَثَبَتَ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ غَيْبُوبَةُ الْبَيَاضِ.
وَمَنْ يَأْبَى هَذَا الْقَوْلَ يَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ:"حِينَ اسْوَدَّ الْأُفُقُ"لَا يَنْفِي بَقَاءَ الْبَيَاضِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ اسْوِدَادِ أُفُقٍ مِنْ الْآفَاقِ لَا عَنْ جَمِيعِهَا ، وَلَوْ