ومع أن جميع هذه الأقوال واردة في صدد مدى الآية العام فإن الذي يتبادر لنا ونراه متسقا مع سياق الآيات السابقة- والآيتان جزء من السياق كما قلنا- أن المنافقين اتخذوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكفّ الأيدي عن القتال ثم فرضه والدعوة إليه- وهذا ما أشير إليه في بعض الآيات السابقة- حجة للقول بأن النبي متناقض في أوامره ونواهيه. فاحتوت الآية ما احتوته من ردّ وتحدّ على النحو الذي شرحناه بأسلوب قوي التقرير بأن ذلك هو الحقّ الذي لا يتحمل مراء.
ومع أن المتبادر أن ذلك التقرير متصل مباشرة بموضوع الكلام السابق على ما نبهنا عليه فإنّ الردّ والتحدي جاءا بأسلوب عام ومطلق ينطبقان ويشملان كل ما جاء في القرآن المكي والمدني على السواء إذا ما نظر فيه بتدبر وتفكر مرتفعين إلى مستوى سموّ الهدف القرآني ومجردين عن الغرض والتعنت والرغبة في المراء واللعب بالألفاظ والتمحل في المسائل الوسائلية والمتشابهات حيث يجد المتدبر فيه بهذه الروح أن الأسس والمبادئ والأهداف والتقريرات والآيات المحكمات
الإيمانية والأخلاقية والاجتماعية متساوقة متطابقة تامة الانسجام والأحكام، ليس بينها اختلاف وتناقض. وما قد يراه من تنوع وتبدل لا يعدو أن يكون أسلوبيا وصورا تطورية وخطوات تشريعية اقتضتها ظروف الدعوة وسيرها وظروف المجتمع الذي نزلت فيه لأول مرة واقتضتها كذلك أهداف التدعيم. وليست هذه مع ذلك متناقضة أو جامدة لتكون محل تطبيق في الظرف الذي نزلت فيه فقط، وهي في الوقت نفسه متساوقة مع الأسس والأهداف والمبادئ.