قال: وعلى نحوِ هذا جاءت الآثار عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"تحت كلِّ شعرةٍ جنابة فاغسِلوا الشعر وأنْقُوا البَشَرَة"قال: وإنقاؤه والله أعلم لا يكون إلا بتَتَبُّعهِ ؛ على حدّ ما ذكرنا.
قلت: لا حجة فيما استدل به من الحديث لوجهين: أحدهما أنه قد خولف في تأويله ؛ قال سفيان بن عُيَيْنة: المراد بقوله عليه السلام"وأنْقُوا البَشَرة"أراد غسل الفرج وتنظيفه ، وأنه كنّى بالبَشَرة عن الفرج.
قال ابن وهب: ما رأيت أحداً أعلم بتفسير الأحاديث من ابن عيينة.
الثاني أن الحديث أخرجه أبو داود في سننه وقال فيه: وهذا الحديث ضعيف ؛ كذا في رواية ابن داسة.
وفي رواية اللُّؤْلِئيّ عنه: الحارث بن وَجيه ضعيف ، حديثه منكر ؛ فسقط الاستدلال بالحديث ، وبقِي المعوّل على اللسان كما بينا.
ويعْضُدُه ما ثبت في صحيح الحديث.
أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بصبيّ فبال عليه ، فدعا بماء فأتبعَه بولَه ولم يغسله ؛ روته عائشة ، ونحوه عن أُم قيس بنت محصن ؛ أخرجهما مسلم.
وقال الجمهور من العلماء وجماعة الفقهاء: يُجزِئ الجُنُب صَبُّ الماء والانغماس فيه إذا أسبغ وعمّ وإن لم يتدلّك ؛ على مقتضى حديث ميمونة وعائشة في غسل النبيّ صلى الله عليه وسلم.
رواهما الأئمة.
وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يُفيض الماء على جسده ؛ وبه قال محمد بن عبد الحكم ، وإليه رجع أبو الفرج ورواه عن مالك ؛ قال: وإنما أمر بإمرار اليدين في الغسل لأنه لا يكاد من لم يُمِرّ يديه عليه يسلم من تنكّبِ الماء عن بعض ما يجب عليه من جسده.
وقال ابن العربي: وأعجب لأبي الفرج الذي روى وحكى عن صاحب المذهب أن الغسل دون ذلك يجزىء! وما قاله قَطُّ مالكٌ نصّا ولا تَخْرِيجاً ، وإنما هي من أوهامه.