وَمِنْ آيَاتِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُخْلِصِ وَالْمُرَائِي أَنَّ الْمُرَائِيَ يَلْتَمِسُ الْفُرَصَ وَالْمُنَاسَبَاتِ لِلْفَخْرِ وَالتَّبَجُّحِ بِمَا أَعْطَى ، وَمَا فَعَلَ ، وَالْمُخْلِصُ قَلَّمَا يَتَذَكَّرُ عَمَلَهُ أَوْ يَذْكُرُهُ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ كَأَنَّ يَرْغَبَ بَعْضُ النَّاسِ فِي الْبَذْلِ ، فَيَقُولُ لِلْغَنِيِّ مَثَلًا: إِنَّنِي عَلَى فَقْرِي أَوْ عَلَى قَدْرِ حَالِي قَدْ أَعْطَيْتُ فِي مَصْلَحَةِ كَذَا كَذَا دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا ، فَاللَّائِقُ بِكَ أَنْ تَبْذُلَ كَذَا .
وَأَقُولُ: إِنَّ مِنْ شَأْنِ الْكَافِرِ الَّذِي لَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ أَلَّا يَبْذُلَ
مَالًا ، وَلَا يَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا بِقَصْدِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَرَاءَ حُظُوظِ هَذِهِ الدُّنْيَا أَمَلٌ ، وَلَا مَطْلَبٌ ، وَالْمُؤْمِنُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنْ وَقَعَ الرِّيَاءُ مِنْ مُؤْمِنٍ فَإِنَّمَا يَقَعُ مِنْ ضَعِيفِ الْإِيمَانِ قَلِيلًا ، وَلَا يَكُونُ كُلُّ عَمَلِ الْمُؤْمِنِ كَذَلِكَ بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ إِلْمَامًا يَنْدَمُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَيُسْرِعُ إِلَى التَّوْبَةِ ، وَإِلَّا كَانَ كَافِرًا مُجَاهِرًا ، أَوْ مُنَافِقًا مُخَادِعًا ، وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ تَحْقِيقِ هَذَا الْبَحْثِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) .