علي رضي الله عنه أنه قال رأيت رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ بدأ بالدَّين قبل الوصية ولأن الوصية
إن كانت تطوعًا بالأمر ظَاهر وإن كانت بالفرض فدَين العباد مقدم عَلَى هذه الوصية أيضًا
لأنه إذا اجتمع حق الله وحق العباد في عين وقد ضاقت عن الوفاء بهما يقدم حق العباد
لاحتياجهم مع استغناء الله تَعَالَى وكرمه.
قوله: (لأنها) علة تقديم الوصية في الذكر.
قوله: (مشبهة بالميراث) في كونها مأخوذة بلا عوض.
قوله: (شاقة عَلَى الورثة) أي إخراجها ولو قال فشق إخراجها أو فهي شاق إخراجها
لكان أولى. ولمشقتها عَلَى الورثة كانت مظنة التفريط والمساهلة، وأما الدين لكون أدائه واجبًا
عليهم ومجبورين عليه فيسارعون إلَى قضائه فقدم ذكرها بعثًا عَلَى أدائها معه وتنبيهًا عَلَى
أنها مثله في وجوب الأداء.
قوله: (مندوب الله الجميع والدَّين إنما يكون عَلَى الندور) مندوب من الندبة لا من
الندب أي مدعو إليه الجميع أي جميع النَّاس. وحاصله أنها كثيرة الوقوع الموجبة لمزيد
اهتمام فلذا قدمت عليه ثم فَائدَة الوصف بـ يوصي بها للتعميم؛ إذ وصف الشيء بما لا ينفك
عن الجنس للتعميم كقَوْله تَعَالَى: (وما من دابة في الْأَرْض) فكأنه قيل:
(من بعد وصية) أي وصية كانت بعدما كانت مشروعة أو الترغيب في الوصية
والندب إليها أو للاحتراز عن كون الْمُرَاد بها مَجَازًا بالْقُوَّة. وقيل الْمُرَاد بها تعتبر الوصية بها
في الشرع وهي الوصية بالثلث أو ما دونه، ولا يخفى ضعفه ويمكن أن يقال: الْمُرَاد بها يقرر
الوصية بها وتبقى حتى توفى (وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر بفتح الصاد) .
قوله:(أي لا تَعْلَمُونَ من أنفع لكم ممن يرثكم من أصولكم وفروعكم في عاجلكم
وآجلكم)من أنفع لكم إشَارَة إلَى أن نفعًا تمييز من نسبة أقرب. وحاصله أنفع لكم لأن من
يزيد قربه إلَى النفع عَلَى غيره فهو أنفع من غيره قيل ليس هذا مَنْطُوق النظم بل اللازم منه
بطَريق الأولى فكأنه قيل لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا فضلًا عن أن تدرون من هُوَ أنفع
انتهى. فلا يظهر وجه تخيير المصنف المَنْطُوق إلَى اللازم. نعم لو سلم ذلك لكان وجه ما اخْتيرَ
في النظم عَلَى لا تدرون أيهم أنفع. قوله: (ممن يرثكم) من مقتضيات المقام من أصولكم
يعني أن الآباء والأبناء بمعنى الأصول والفروع مَجَازًا فيَشْمَل الأمهات بل الأجداد والجدات
ويشمل البنات بل أولاد الولد في عاجلكم دنياكم وآجلكم آخرتكم.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
من أن أو في الخبر للشك وفي الأمر للتخيير أو للإباحة. والْجَوَاب أن الخبر هنا بمعنى الأمر لما
تقدم في قَوْله تَعَالَى: (يُوصيكُمُ اللَّهُ) أي يأمركم ويعهد إليكم.