وبدءوا بحاضرهم وماضيهم يعدون أنفسهم أسمى من العرب ، وهذا هو المعنى الذى آل إليه معنى الشعوبية فأصبح للشعوبية معنى مزدوج هو الحط من الجنس العربى، والنيل من الدين الإسلامى، ووسيلتها لذلك التعصب لرفع شأن غير العرب وبخاصة الفرس والتفاخر بأمجادمم ، ورقى حضارتهم ، وما يتبع ذلك من تصغير شأن العرب والهجوم عليهم ، ووصفهم بأحقر الأوصاف.
ويصور الجاحظ حركة الشعوبية وأهدافها بقوله: إن عامة من ارتاب في الإسلام كانت الشعوبية أساس ارتيابهم فلا تزال الشعوبية تنتقل بأهلها من وضع إلى وضع حتى ينسلخوا من الإسلام لأنه نزل على نبى عربى، وكان العرب حمله أوائه عندما نزل (2) .
ويلاحظ أن الفرس حاولوا أن يشركوا الأجناس غير العربية في حركتهم الشعوبية فاستعانوا بأجناس وحضارات مختلفة ضد العرب ، وتنفيذا لذلك راحوا يمجدون حضارة الفراعنة وحضارة الفينقيين والهند ، ولكن ذلك لم يخدع هذه الشعوب ، فإن هؤلاء ربحوا عقائديا وثقافيا وسياسيا بالاسلام فرفضوا أن ينضموا للفكر الشعوبى وتمسكوا بالفكر الإسلامى الذى يسوى بين البشر على اختلاف أجناسهم وألوانهم ، والذى يدعو إلى التعاون بين الشعوب الإسلامية لخدمة الجميع.
وبقى الفرس وحدهم في هذا المضمار، وقد وضعوا بعض الأحاديث التى نسبوها للرسول صلوات الله وسلامه عليه والتى تعلى من قدرهم.
واشترك بعض الشعراء الفرس في هذا المجال فنظموا القصائد التى يهاجمون فيها العرب ، ومن ذلك ما قاله أحدهم:
همو راضة الدنيا وسادة أهلها * إذا افتخروا لإراضة الشاه والإبل وقال آخر:
ولست تبارك إيوان كسرى * لتوضح أو لحومل فالدخول.