ومن أشهر المدارس الفكرية التى حاولت الاستئثار، في تراثنا ، بمصطلح السلفية هى مدرسة أهل الحديث التى هالها الوافد اليونانى فلسفة ومنطقا وأفزعتها عقلانية اليونان المنفلتة من النقل الدينى، فاعتصمت بالنصوص ، مقدمة ظواهرها، بل وحتى ضعيفها على الرأى والقياس والتأويل وغيرها من ثمرات النظر العقلى، وهى المدرسة التى انعقدت زعامتها للإمام أحمد بن حنبل (164-241هـ/780-855م) حتى ليحسبها البعض كل السلفية، بينما هى في الحقيقة واحدة من فصائل هذا الاتجاه.
وفى منهاج هذه المدرسة يعلو النص على غيره ، بل ويكاد أن ينفرد بالحجية، فالنص ،وفتوى الصحابة، والمختار من فتوى الصحابة عند اختلافهم ، والحديث المرسل والضعيف ، ثم القياس للضروة هى الأصول الخمسة التى حددها الإمام أحمد بن حنبل أركانا لمنهج هذه المدرسة رافضا بذلك الرأى، والقياس ،والتأويل ، والذوق ، والعقل ، والسببية في الفكر الدينى.
وعن هذا المنهج النصوصى"للسلفية النصوصية"-كما صاغه الإمام أحمد بن حنبل- يقول واحد من أعلامها هو الإمام ابن القيم الجوزية (691-751هـ/1292-1350م) :
الأصل الأول: النصوص فإذا وجد النص أفتى به ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا من خالفه ، كائنا من كان ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملا ولا رأيا ولا قياسا ولا قول صاحب ولا عدم علمه بالمخالف.
الأصل الثانى: ما أفتى به الصحابة فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى، لا يعرف له مخالف منهم فيها، لم يعدها إلى غيرها ولم يقدم عليها عملا ولا رأيا ولا قياسا.
الأصل الثالث: إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم ،فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها ، ولم يجزم بقول.
الأصل الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف ، إذا لم يكن في الباب شىء يدفعه ، وهو الذى رجحه -أى الحديث الضعيف- على القياس.