وقد وضعوا للخلوة شروطا لكى تثمرثمارا صحيتة، فما كان منها وفقا لقواعد الشرع وصدق المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أثمر تنوير القلب ، والزهد في الدنيا ، وحلاوة الذكر، والمعاملة لله بالاخلاص ، لذلك يحتاج المريد إلى تعلم ما يلزمه من علوم الشريعة قبل الدخول في الخلوة.
وما لم يستوف المريد شروطها فإنها توقعه في فتنة أو بلية،وقد تنتج له صفاء في النفس يستعان به على اكتساب علوم الرياضة، مما يعتنى به الفلاسفة وامثالهم ، وقد يوجد عندهم ما يشبه في صورته أحوال المتابعين للشرع ، فيكون في حقهم مكرا واستدراجا ، ولا يصح للمريد أن يغتر بشىء من ذلك حتى لو مشى على الماء أوطار في الهواء ، لأن من تعلق بخيال ، أو قنع بمحال ، ولم يحكم أساس خلوته في الإخلاص فإنه يدخل الخلوة بالزور، ويخرج بالغرور، ويسلبه الله لذة العبادة، ويفتضح في الدنيا والآخرة.
وكثيرا ما يكتفون في الخلوة بأربعين يوما يسمونها الأربعينية؛ رجاء أن ينسحب حكم الأربعين على جميع الزمان بحيث تجعل المدوامة فيها على شىء خلقا كالخلق الأصلى الغريزى.
واعتمدوا في تحديد الأربعينية على حديث رواه مكحول قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم (6) (من أخلص لله تعالى العبادة أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه) وهو حديث ضعيف الإسناد إلا أن الصوفية يؤيدون معناه بما ورد في القرآن الكريم عن موسى عليه السلام حيث يقول {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة} الأعراف:142 ، ففيها إشارة إلى الاستعداد البدنى والنفسى خلالها بمزيد عبادة وتبتل من أجل استقبال واردات الحق.
ومن أصولهم أن من يدخل الخلوة ينبغى أن يكون خاليا من جميع الأفكار إلا ذكر الله ، ومن جميع المرادات إلا مراد ربه ، بصرف النظر عما يمكن أن يقع دون نظر إلى شىء سواه ، وإلا فتن بهواه.
أ.د/عبد الفتاح عبد الله بركة