فهرس الكتاب

الصفحة 347 من 1387

الذي يضعنا في مرتبة فريدة بين التيارات والجماعات والأحزاب، فهم لا يتناهون عن منكر فعلوه ويفعله غيرهم، وكأن المسلم ينفرد في فهم مغزى التاريخ وحركته عبر مفاد آية سورة هود، في قوله تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ } هود116.

فمرتبة الفضل: النهي عن الفساد في الأرض.

ومهنة الرجال أساتذة الرجولة: أن يكونوا نهاة في ثغر النذارة.

وحركة التاريخ التي توجه تعاقب القرون: كامنة في تفرد هذه الثلة المؤمنة فيما هي فيه من إنكار السوء، فيأتيها التمكين من الله تعالى .

وحق هذا العامل الترجيحي أن يُقدم ويُذكر قبل الأول وقبل ردود الشبهات، فإنما نصول ونجول بتوفيق من الله، وإنما تأخر إشارة إلى حشد الأسباب ثم التفرغ لاستشعار التوكل والاعتماد على الله تعالى، تشبها بصف النبي صلى الله عليه وسلم. صفوف المهاجرين والأنصار يوم بدر، ثم تنحيه جانبًا يلح في التضرع والدعاء وطلب النصر الرباني، حتى وقع رداؤه عن منكبه الشريف، وإنما نصل هذا التضرع الأخير بذاك التفويض الأول، فيكون مبتدأ أمرنا وخاتمته: حسن الظن بالله تعالى.

لكنها سنة الحياة أن لا ننال الذي نرجو إلا بالبذل والجهد وتقديم الثمن، ليس بالمجان، وهي التي أدركها الشاعر لما قال:

بصرت بالراحة الكبرى فلم أرها تنال إلا على جسر من التعب

وكأن المفهوم الساذج يصرفه إلى تعب العضلات والأبدان فقط، وإلى احتمال لحر وبرد، وجوع وعطش، وقطع مفاوز وعبور جبال، وهو كذلك، ولكن فقه الصعود نحو المعالي يجاوزه إلى التأكيد على الخطة المعرفية ذات البعد الحضاري.

وأول ذلك ومفتاحه أن ترجع إلى الحروف والسطور والكتاب، فتقرأ، ثم تقرأ، ثم تقرأ.

المرجع: نحو المعالي-محمد أحمد الراشد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت