· إن (الخلطة) الواحدة التي تتكون منها نفس شخص ما ليست دائمة، بل لها تغير كبير واضح في كل حقبة، وأصغر منه في كل سنة، وأصغر منه في كل موسم، وأصغر منه في كل يوم، ولو كانت النفوس جامدة لا تقبل التغير لما كان للوعظ دور، ولا للتربية معنى، لكن أغلب هذا التغير إنما يكون بالتطبع وقسر النفس على الظهور بمظاهر معينة والقيام بأعمال ثقيلة عليها، وإن كان طول التطبع قد ينسي النفس طبعها القديم وتتحول المغالبة إلى عادة ميسورة.
· من هنا ينتفي صواب وصفة مطلقة للعلاج، بل لا بد من دراسة ميدانية للظواهر العامة وتشخيص أسبابها وتاريخ ظهورها، ولا بد من إقامة علاقة ثنائية مباشرة قبل الإفتاء في الظواهر الفردية الخاصة تتيح اكتشاف جذورها .
· تعلق المسألة النفسية ببقايا الفطرة في كل شخص كمثل تعلقها بالإيمان المكتسب، وهذا المعنى مستفاد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) . فالذي لا يسعفه أساس فطري متين لا يرقى به إيمان مستحدث لأكثر من الدرجات الدنيا، ويبقى العلو صعبًا عليه، وقد تكون الفطرة في شخص ما متلاشية ليس لها بقايا، وهي في الأنبياء أوفر ما تكون، باقية بتمامها، ويشير إلى ذلك قول جبريل عليه السلام:"أخذت الفطرة"، لما مد النبي صلى الله عليه وسلم يده إلى اللبن في المعراج وترك الخمر، وما بين الأنبياء وأصحاب الفطر المتلاشية درجات لا حصر لها .