فهرس الكتاب

الصفحة 1360 من 1387

ولما كان لصاحب الحق مقالة وصولة: كانت النفوس المتكبرة لا تقر له بالصولة على تلك الصولة التي فيها، ولا سيما النفوس المبطلة، فتصول على صولة الحق بكبرها وباطلها، فكان حقيقة التواضع: خضوع العبد لصولة الحق، وانقياده لها، فلا يقابلها بصولته عليها.

وجمال التواضع إنما يكون بأن ترضى بما رضي الحق به لنفسه عبدًا من المسلمين أخًا، وأن لا ترد على عدوك حقًا، وأن تقبل من المعتذر معاذيره.

فإذا كان الله قد رضي أخاك المسلم عبدًا، أفلا ترضى أنت به أخًا؟ فعدم رضاك به أخًا: عين الكبر، وأي قبيح أقبح من تكبر العبد على عبد مثله، لا يرضى بأخوته، والله راض بعبوديته؟.

ولا تصح لك درجة"التواضع"حتى تقبل الحق ممن تحب وممن تبغض فتقبله من عدوك كما تقبله من وليك، وإذا لم ترد عليه حقه، فكيف تمنعه حقًا له قبلك؟ بل حقيقة"التواضع"أنه إذا جاءك قبلته منه، وإذا كان له عليك حق أديته إليه، فلا تمنعك عداوته من قبول حقه، ولا من إيتائه إياه.

وكذلك من أساء إليك ثم جاء يعتذر عن إساءته فإن"التواضع"يوجب عليك قبول معذرته، حقًا كانت أو باطلًا، وتكل سريرته إلى الله تعالى، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين الذين تخلفوا عنه في الغزو، فلما قدم جاءوا يعتذرون إليه، فقبل أعذارهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى [26] .

وعلامة الكبر والتواضع: أنك إذا رأيت الخلل في عذره لا توقفه عليه ولا تحاجه، وقل: يمكن أن يكون الأمر كما تقول، ولو قضي شيء لكان، والمقدور ولا مدفع له، ونحو ذلك.

وتمام التواضع: أن لا يرى العابد لنفسه حقًا على الله لأجل عمله، فإنه في عبودية وفقر محض، وذل وانكسار، فمتى رأى لنفسه على الله حقًا: فسدت عبوديته، وصارت معلولة وخيف منها المقت. ولا ينافي هذا ما أحقه سبحانه على نفسه، من إثابة عابديه وإكرامهم، فإن ذلك حق أحقه على نفسه بمحض كرمه وبره وجوده وإحسانه، لا باستحقاق العبيد، وأنهم أوجبوه عليه بأعمالهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت