وقال:"لو دعيت إلى ذراع - أو كراع - لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع - أو كراع - لقبلت"رواه البخاري [24] .
3 -حقيقة الذل والتواضع:
سئل الفضيل بن عياض عن التواضع؟ فقال: يخضع للحق، وينقاد له. ويقبله ممن قاله.
وقال الجنيد بن محمد: هو خفض الجناح، ولين الجانب.
وقال ابن عطاء: هو قبول الحق ممن كان، والعز في التواضع، فمن طلبه في الكبر فهو كتطلب الماء من النار.
وقال إبراهيم بن شيبان: الشرف في التواضع، والعز في التقوى، والحرية في القناعة.
وقال عروة بن الزبير رضي الله عنهما: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على عاتقه قربة ماء، فقلت:"يا أمر المؤمنين؛ لا ينبغي لك هذا، فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين، دخلت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها".
وولي أبو هريرة رضي الله عنه إمارة مرة، فكان يحمل حزمة الحطب على ظهره، ويقول: طَرِّقوا للأمير.
ومر الحسن على صبيان معهم كسر خبز، فاستضافوه، فنزل فأكل معهم، ثم حملهم إلى منزله، فأطعمهم وكساهم، وقال: اليد لهم، لأنهم لا يجدون شيئًا غير ما أطعموني، ونحن نجد أكثر ممنه.
ويذكر أن أبا ذر رضي الله عنه عير بلالًا رضي الله عنه بسواده، ثم ندم، فألقى بنفسه، فحلف: لا رفعت رأسي حتى يطأ بلال خدي بقدمه، فلم يرفع رأسه حتى فعل بلال.
وروح التواضع: أن يتواضع العبد لصولة الحق. بأن يتلقى سلطان الحق بالخضوع له، والذل، والانقياد، والدخول تحت رقة، بحيث يكون الحق متصرفًا فيه تصرف المالك في مملوكه، فبهذا يحصل للعبد خلق التواضع، ولهذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم الكبر بضده، فقال:"الكبر بطر الحق، وغمص الناس" [25] . فبطر الحق: رده وجحده، والدفع في صدره، كدفع الصائل، و"غمص الناس"احتقارهم، وازدراؤهم، ومتى احتقرهم وازدراهم: دفع حقوقهم، وجحدها، واستهان بها.