ثم قال الرازي: فِي كيفية النظم: إن قلنا: إن هذا من كلام المؤمنين ، فوجه النظم أنهم لما قالوا: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} فكأنهم قالوا: كيف لا نسمع ولا نطيع وأنه تعالى لا يكلفنا إلا ما فِي وسعنا وطاقتنا . فإذا كان هو تعالى ، بحكم الرحمة الإلهية لا يطالبنا إلا بالشيء السهل الهين ، فكذلك نحن بحكم العبودية وجب أن نكون سامعين مطيعين . وإن قلنا: إن هذا من كلام الله تعالى ، فوجه النظم أنهم لما قالوا: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} ثم قالوا بعده: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} ، دل ذلك على أن قولهم: {غُفْرَانَكَ} ، طلب للمغفرة فيما يصدر عنهم من وجوه التقصير منهم على سبيل العمد . فملا كان قولهم غفرانك ، طلب للمغفرة فِي ذلك التقصير ، لا جرم خفف الله تعالى ذلك عنهم . وقال: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} . والمعنى: أنكم إذا سمعتم وأطعتم ، وما تعمدتم التقصير ، فعند ذلك لو وقع منكم نوع تقصير على سبيل السهو والغفلة فلا تكونوا خائفين منه ، فإن الله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} . وبالجملة فهذا إجابة لهم فِي دعائهم فِي قولهم: غفرانك ربنا .
قال زين العابدين بير محمد درة فِي"المدحة الكبرى": وعلى احتمال أن يكون قوله: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ} الخ حكاية ، فهو من قبيل العطف بلا عاطف . أو الكلام على تقدير قالوا . قال بعضهم: ولك أن تجعل: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ} الخ فِي حيز القول . وأن يكون حكاية للأقوال المتفرقة غير المعطوفة بعضها على بعض للمؤمنين ، يكون مدحاً لهم بأنهم شاكرون لله تعالى فِي تكليفه . حيث يرونه بأنه لم يخرج عن وسعهم . وبأنهم يرون أن الله تعالى لا ينتفع بعملهم الخير ، بل هو لهم ، ولا يتضرر بعملهم الشر ، بل هو عليهم .